طهران – المنشر_الاخباري
في خطاب حاد اللهجة خلال اجتماع وزراء الطاقة لدول مجموعة بريكس في مدينة جورغاون الهندية، دعا وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد إلى انسحاب كامل للقوات العسكرية الأميركية من منطقة غرب آسيا، مطالبًا بتفكيك القواعد العسكرية التابعة لواشنطن في المنطقة، معتبرًا أن ذلك يمثل “الطريق الوحيد نحو استقرار أسواق الطاقة العالمية”.
وجاءت تصريحات الوزير الإيراني في وقت يشهد فيه العالم توترات متزايدة في أسواق النفط والغاز، وسط صراعات جيوسياسية ممتدة في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية، انعكست بشكل مباشر على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
“حرب عمياء على أمن الطاقة العالمي”
اتهم باك نجاد ما وصفها بـ”الاعتداءات المتكررة” على البنية التحتية النفطية والغازية في إيران، معتبرًا أنها لا تستهدف بلاده فقط، بل تمثل “حربًا عمياء ضد أمن الطاقة العالمي بأكمله”.
وقال الوزير الإيراني إن منشآت النفط والغاز والتكرير والبتروكيماويات في بلاده تعرضت خلال الفترة الأخيرة لهجمات متكررة تسببت في أضرار مادية كبيرة، إلى جانب خسائر بشرية في صفوف العاملين في قطاع الطاقة، فضلًا عن آثار بيئية واسعة النطاق.
وأضاف أن هذه الهجمات أدت إلى تعطيل سلاسل الإنتاج والتوريد، ما انعكس على حياة المواطنين الإيرانيين، وتسبب في خسائر اقتصادية كبيرة لآلاف الأسر العاملة في قطاع الطاقة داخل منطقة الخليج.
وأكد باك نجاد أن “هذه الاعتداءات لم تكن مجرد استهداف لدولة واحدة، بل كانت حربًا مباشرة على استقرار أسواق الطاقة العالمية”، مشيرًا إلى أن تداعياتها شملت ارتفاع أسعار المواد الخام والسلع المصنعة عالميًا، وزيادة الضغوط الاقتصادية على شعوب عديدة.
دعوة لإخراج القوات الأجنبية من المنطقة
في الجزء الأكثر حساسية من خطابه، شدد الوزير الإيراني على أن تحقيق الاستقرار في منطقة غرب آسيا، التي تعد أحد أهم مصادر الطاقة في العالم، لا يمكن أن يتم إلا عبر “انسحاب القوى الأجنبية من المنطقة وتفكيك القواعد العسكرية الأميركية”.
وقال: “الطريق الوحيد نحو الاستقرار الحقيقي هو إنهاء الوجود العسكري الأجنبي، ومنح دول المنطقة مسؤولية إدارة أمنها بنفسها”.
وأضاف أن الأمن في هذه المنطقة الاستراتيجية يجب أن يكون “إقليميًا بحتًا”، بعيدًا عن التدخلات الخارجية التي قال إنها تساهم في زعزعة الاستقرار وخلق أزمات متكررة في أسواق الطاقة.
سياق دبلوماسي متوتر واتفاق مع واشنطن
تأتي هذه التصريحات بعد أيام فقط من توقيع مذكرة تفاهم بين إيران والولايات المتحدة في 17 يونيو/حزيران، تنص — بحسب تقارير رسمية — على رفع العقوبات المفروضة على طهران، وتجميد بعض الأصول الإيرانية، والسماح بإجراء معاملات مالية بالدولار.
ورغم هذا التقارب النسبي، فإن الخطاب الإيراني في بريكس يعكس استمرار التباين العميق في الملفات الأمنية والعسكرية، خصوصًا فيما يتعلق بالوجود الأميركي في المنطقة.
دور إيران في أمن الطاقة العالمي
أكد باك نجاد أن إيران مستعدة للعب “دور نشط وبنّاء” داخل مجموعة بريكس من أجل تعزيز أمن الطاقة العالمي، مشيرًا إلى أن النظام العالمي للطاقة يواجه “تحديات غير مسبوقة” تشمل التقلبات الجيوسياسية، وتذبذب الأسواق، وتغير المناخ، وصعوبة الاستثمار طويل الأمد.
وأوضح أن هذه التحديات لا يمكن لأي دولة مواجهتها بمفردها، داعيًا إلى تعزيز التعاون بين دول بريكس لتأمين إمدادات مستقرة وعادلة من الطاقة.
وأشار الوزير إلى أن إيران تمتلك قدرات كبيرة في قطاع الطاقة، رغم سنوات طويلة من العقوبات، حيث بلغ إنتاج الغاز الطبيعي أكثر من 280 مليار متر مكعب في عام 2025، أي ما يعادل نحو 7% من الإنتاج العالمي.
كما تبلغ القدرة الإنتاجية للنفط الخام نحو 4.2 مليون برميل يوميًا، في حين تصل قدرات التكرير إلى 2.4 مليون برميل يوميًا، إلى جانب آلاف الكيلومترات من خطوط أنابيب نقل النفط والغاز.
أزمة الطاقة والتحول العالمي
حذّر الوزير الإيراني من السياسات الدولية التي تهدف إلى التخلص السريع من الوقود الأحفوري، واصفًا بعضها بأنها “سياسات إقصائية أحادية الجانب” قد تؤدي إلى نتائج عكسية.
وقال إن مثل هذه السياسات قد تضر بأمن الطاقة العالمي وتزيد من معدلات الفقر الطاقوي في الدول النامية، داعيًا إلى مقاربة متوازنة تعتمد على جميع مصادر الطاقة، بما في ذلك النفط والغاز والطاقة المتجددة.
ونقل الوزير عن تقرير حديث لمنظمة أوبك أن النفط والغاز سيظلان يشكلان أكثر من 53% من احتياجات الطاقة العالمية حتى عام 2050، ما يؤكد استمرار الاعتماد العالمي على الوقود الأحفوري رغم توسع مشاريع الطاقة النظيفة.
مقترح “شراكة أمن الطاقة في بريكس”
وخلال الاجتماع، اقترح باك نجاد إنشاء “شراكة أمن الطاقة داخل بريكس” ضمن خارطة التعاون الممتدة بين 2025 و2030، بهدف تعزيز مرونة الأسواق وحماية البنية التحتية الحيوية للطاقة.
وتشمل المبادرة تبادل المعلومات حول الأسواق، والتعاون في مواجهة الأزمات، وتطوير أنظمة الطوارئ، وتشجيع الاستثمارات الاستراتيجية، وضمان استمرارية تدفق الطاقة بين الدول الأعضاء.
وأكد الوزير أن إيران مستعدة للانخراط بشكل كامل في هذه المبادرة، معتبرًا أن بريكس تمثل منصة مهمة لبناء نظام طاقة عالمي أكثر توازنًا وعدالة.
بريكس وتوازنات الطاقة العالمية
تضم مجموعة بريكس الموسعة اليوم دولًا كبرى مثل الصين، والهند، وروسيا، والبرازيل، إضافة إلى دول نفطية رئيسية في الخليج وإفريقيا، ما يجعلها لاعبًا رئيسيًا في تشكيل مستقبل الطاقة العالمي.
ويرى مراقبون أن تصريحات إيران تعكس محاولة واضحة لإعادة صياغة دورها داخل النظام الدولي للطاقة، في ظل تحولات جيوسياسية كبرى تشهدها المنطقة والعالم.
في المحصلة، يعكس الخطاب الإيراني في قمة بريكس مزيجًا من الرسائل السياسية والاقتصادية، يجمع بين الدعوة إلى إنهاء الوجود العسكري الأميركي، والتحذير من سياسات الطاقة العالمية، والسعي إلى تعزيز موقع إيران كلاعب أساسي في سوق الطاقة الدولي خلال المرحلة المقبلة.










