من اليسار إلى اليمين.. بوغوتا تدخل مرحلة سياسية جديدة بإعلان فوز أبيلاردو دي لاسبيريا وسط جدل داخلي وخارجي واسع
لندن – المنشر الاخبارى
شهدت كولومبيا تحولًا سياسيًا بارزًا مع إعلان المجلس الوطني للانتخابات فوز المرشح اليميني أبيلاردو دي لاسبيريا في الانتخابات الرئاسية، ليصبح رئيسًا للبلاد للفترة 2026–2030، في نتيجة وُصفت بأنها نقطة انعطاف تاريخية في مسار الدولة اللاتينية، خاصة في ما يتعلق بسياستها الخارجية تجاه إسرائيل والولايات المتحدة.
وبحسب النتائج الرسمية التي أعلنها رئيس المجلس الوطني للانتخابات كريستيان كويروز، فقد حصل دي لاسبيريا على 49.66% من الأصوات في الجولة الثانية التي جرت في 21 يونيو/حزيران، متفوقًا بفارق ضئيل على منافسه اليساري إيفان سيبيدا الذي نال 48.70%، في واحدة من أكثر الانتخابات تقاربًا في تاريخ البلاد الحديث.
وأعلن أمين السجل الانتخابي خايمي إيرناندو سواريز فوز دي لاسبيريا رسميًا، على أن يتسلم مهامه في 7 أغسطس/آب المقبل خلفًا للرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو.
تحول سياسي حاد في بوغوتا
يمثل صعود دي لاسبيريا إلى السلطة تحولًا واضحًا في المشهد السياسي الكولومبي، إذ يُعرف الرئيس المنتخب بانتمائه إلى التيار اليميني المحافظ، وبخطابه الذي يركز على الأمن، وإعادة بناء التحالفات الدولية، خصوصًا مع واشنطن وتل أبيب.
وخلال خطاباته الانتخابية، تعهد دي لاسبيريا بإعادة صياغة العلاقات الخارجية لكولومبيا، معتبرًا أن سياسة الحكومة السابقة “أضرت بمصالح البلاد الاستراتيجية”، في إشارة غير مباشرة إلى سياسات الرئيس اليساري غوستافو بيترو.
وتُعد قضية العلاقات مع إسرائيل واحدة من أبرز الملفات التي أثارت الانقسام في كولومبيا خلال السنوات الأخيرة، بعد أن أقدم بيترو في مايو/أيار 2024 على قطع العلاقات الدبلوماسية مع تل أبيب على خلفية الحرب في غزة، وهو القرار الذي تسبب في أزمة دبلوماسية حادة مع إسرائيل والولايات المتحدة.
عودة التحالف مع إسرائيل
في أولى الإشارات السياسية بعد فوزه، أعلن مكتب دي لاسبيريا الإعلامي أن الرئيس المنتخب يعتبر إسرائيل “صديقًا وفيًا وحليفًا راسخًا لكولومبيا”، مؤكدًا أن العلاقات بين البلدين ستدخل “مرحلة جديدة غير مسبوقة”.
وأضاف البيان أن السياسة الخارجية المقبلة ستقوم على “الثقة السياسية والتعاون الاستراتيجي والدفاع عن الديمقراطية والأمن والابتكار”، في إشارة إلى توجه واضح لإعادة بناء العلاقات مع تل أبيب بعد فترة من القطيعة.
كما كشف البيان أن دي لاسبيريا يعتزم تعزيز التعاون الأمني والتكنولوجي مع إسرائيل، خاصة في مجالات الاستخبارات والأمن السيبراني، وهي ملفات كانت كولومبيا قد استفادت منها في السابق قبل التوتر السياسي الأخير.
وعد بنقل السفارة إلى القدس
وخلال حملته الانتخابية، أثار دي لاسبيريا جدلًا واسعًا بعد تعهده بنقل سفارة كولومبيا من تل أبيب إلى القدس في حال فوزه، وهو وعد اعتبره مراقبون خطوة رمزية ذات أبعاد سياسية ودينية حساسة، من شأنها إعادة تموضع كولومبيا في خريطة التحالفات الدولية.
وقد لاقى هذا التعهد ترحيبًا من دوائر سياسية في إسرائيل، حيث أجرى وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر اتصالًا هاتفيًا مع دي لاسبيريا عقب إعلان النتائج الأولية، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشرًا على رغبة الطرفين في إعادة تطبيع العلاقات سريعًا.
انقسام داخلي حاد
ورغم فوزه، يواجه الرئيس المنتخب تحديات داخلية كبيرة، إذ تعكس النتائج تقاربًا شديدًا بين التيارين اليميني واليساري، ما يشير إلى انقسام عميق داخل المجتمع الكولومبي حول مستقبل البلاد السياسي والاجتماعي.
ويرى محللون أن فوز دي لاسبيريا لا يمثل فقط انتصارًا انتخابيًا، بل بداية مرحلة إعادة تشكيل للتحالفات الداخلية والخارجية، خصوصًا في ظل التوترات التي خلفتها سياسات الحكومة السابقة في ملفات الاقتصاد والعلاقات الدولية.
إرث بيترو الثقيل
كان الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو قد اتخذ خطوات غير مسبوقة في السياسة الخارجية لكولومبيا، أبرزها قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في 2024، إضافة إلى حظر تصدير الفحم إلى تل أبيب في 2025، في إطار موقفه الرافض للحرب في غزة.
هذه السياسات خلقت انقسامًا داخل البلاد، بين مؤيدين اعتبروها موقفًا أخلاقيًا داعمًا للقضية الفلسطينية، ومعارضين رأوا فيها ضررًا مباشرًا على الاقتصاد الكولومبي وعلاقات البلاد مع حلفائها التقليديين.
تداعيات إقليمية ودولية
من المتوقع أن ينعكس فوز دي لاسبيريا على علاقات كولومبيا في أمريكا اللاتينية، حيث قد يعيد البلاد إلى محور أكثر تقاربًا مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في مقابل تراجع الخطاب اليساري الذي ازدهر في المنطقة خلال السنوات الماضية.
كما يُتوقع أن يشهد ملف الطاقة والتجارة الخارجية مراجعة شاملة، خصوصًا في ما يتعلق بصادرات الفحم والسياسات البيئية، إلى جانب إعادة فتح قنوات التعاون العسكري والأمني مع شركاء غربيين.
بداية مرحلة جديدة
يرى مراقبون أن كولومبيا تقف اليوم عند مفترق طرق، بين استمرار إرث التوجهات اليسارية التي ميزت عهد بيترو، أو العودة إلى سياسة أكثر انفتاحًا على الغرب، وهو ما يبدو أن دي لاسبيريا يسعى إلى ترسيخه منذ اللحظة الأولى لفوزه.
وبينما يستعد لتولي منصبه رسميًا في أغسطس المقبل، تبقى الأنظار موجهة إلى الخطوات الأولى للرئيس الجديد، ومدى قدرته على إدارة توازن حساس بين الداخل المنقسم، والخارج الذي يترقب تحولًا قد يعيد رسم موقع كولومبيا في النظام الدولي.










