تايبيه تستأنف برامج التوعية العقائدية بعد توقف دام ربع قرن.. وتحذر من تصاعد النشاط العسكري الصيني والتحركات البحرية حول الجزيرة
لندن – المنشر_الاخباري
أعلنت وزارة الدفاع التايوانية إعادة العمل ببرامج “التعليم الوطني المناهض للشيوعية” لطلاب الكليات العسكرية والخريجين الجدد، بعد توقف استمر نحو 25 عامًا، في خطوة تعكس تصاعد المخاوف الأمنية من الضغوط العسكرية الصينية، وتزايد محاولات بكين توسيع نفوذها حول الجزيرة.
وقالت الوزارة إن القرار يأتي في ظل ما وصفته بـ”التنامي المستمر للتهديدات العسكرية وعمليات الاختراق والتغلغل الصينية”، مؤكدة أن القوات المسلحة بحاجة إلى إعداد كوادرها ليس فقط عسكريًا، بل فكريًا أيضًا، من خلال تعزيز الوعي بطبيعة التحديات التي تواجه الأمن القومي.
وأوضحت وزارة الدفاع، في بيان رسمي، أن البرنامج الجديد يهدف إلى ترسيخ فهم واضح لدى الضباط الجدد حول أسباب الدفاع عن البلاد، والجهة التي يقاتلون من أجلها، مشيرة إلى أن الظروف الأمنية الحالية تختلف بصورة كبيرة عن السنوات الماضية، ما يستدعي إعادة النظر في برامج التأهيل العسكري.
وأكد البيان أن البرنامج يركز على تعريف الخريجين بالتهديدات الأمنية التي تواجه تايوان، وتعزيز قدرتهم على التمييز بين “الصديق والخصم”، إلى جانب رفع مستوى الوعي بمخاطر محاولات التسلل والتأثير السياسي والإعلامي التي تتهم تايبيه الصين بممارستها بشكل متزايد.
عودة برنامج أُلغي منذ 2002
وخلال فترة الحرب الباردة، كانت برامج “التعليم المناهض للشيوعية” جزءًا أساسيًا من المناهج العسكرية في تايوان، إذ ركزت على مواجهة ما كانت السلطات آنذاك تصفه بـ”الخطر الشيوعي” القادم من البر الرئيسي الصيني.
إلا أن هذه البرامج أُلغيت رسميًا عام 2002، واستُبدلت بمقررات حملت اسم “التربية الوطنية”، في إطار سياسة هدفت إلى تخفيف الطابع الأيديولوجي للتدريب العسكري.
لكن وزارة الدفاع ترى اليوم أن التطورات الأمنية الأخيرة، والضغوط المتزايدة من جانب بكين، تبرر إعادة العمل بالمناهج السابقة بصيغة جديدة تتناسب مع التحديات الحالية.
مسؤولون وخبراء يشاركون في البرنامج
ووفق وزارة الدفاع، سيشارك في إلقاء المحاضرات مسؤولون من مجلس شؤون البر الرئيسي، ومجلس الأمن القومي، ووزارة العدل، إضافة إلى باحثين من أكاديمية “أكاديميا سينيكا”، أكبر مؤسسة بحثية في تايوان.
وسيتناول البرنامج ملفات الأمن القومي، وأساليب الحرب الهجينة، والتهديدات السيبرانية، وحملات التضليل الإعلامي، إضافة إلى طبيعة العلاقات المتوترة مع الصين.
وأكدت الوزارة أن الهدف النهائي هو إعداد ضباط يمتلكون رؤية استراتيجية واضحة حول البيئة الأمنية المحيطة، إلى جانب تعزيز الروح الوطنية والانتماء داخل القوات المسلحة.
تصاعد غير مسبوق للنشاط العسكري الصيني
يتزامن القرار مع تصاعد ملحوظ في التحركات العسكرية الصينية حول تايوان، إذ أعلنت السلطات التايوانية أنها رصدت خلال الأيام الأخيرة أكثر من 110 سفن تابعة للبحرية الصينية وخفر السواحل تنتشر على امتداد ما يعرف بـ”سلسلة الجزر الأولى”، وهي المنطقة الممتدة من اليابان مرورًا بتايوان والفلبين وصولًا إلى جزيرة بورنيو.
ووصف الأمين العام لمجلس الأمن القومي التايواني جوزيف وو هذا الانتشار بأنه مؤشر واضح على توسع النفام العسكري الصيني في المنطقة، معتبرًا أنه يعكس استراتيجية بكين لفرض واقع أمني جديد في غرب المحيط الهادئ.
وأشار وو إلى أن النشاط البحري الصيني لم يعد يقتصر على المناورات العسكرية التقليدية، بل يشمل عمليات انتشار واسعة النطاق تهدف إلى ممارسة ضغوط مستمرة على تايوان وحلفائها الإقليميين.
دوريات جديدة وخلافات بحرية
وفي تطور آخر، أطلقت قوات خفر السواحل الصينية دوريات جديدة قبالة الساحل الشرقي لتايوان، وهو ما أثار احتجاجًا رسميًا من حكومة تايبيه التي أكدت أن بكين لا تمتلك أي صلاحية قانونية للعمل في تلك المياه.
وترفض الحكومة التايوانية بشكل قاطع مطالب الصين بالسيادة على الجزيرة، مؤكدة أن تايوان تتمتع بحكومة مستقلة ومؤسسات سياسية وعسكرية منفصلة، بينما تصر بكين على أن الجزيرة جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية، ولم تستبعد استخدام القوة لتحقيق إعادة التوحيد.
مناورات صينية روسية
وفي موازاة ذلك، أعلنت وزارتا الدفاع في الصين وروسيا تنظيم مناورات بحرية وجوية مشتركة خلال الأسبوع المقبل في المياه والأجواء القريبة من مدينة تشينغداو الصينية.
وأوضحت بكين أن جزءًا من القوات المشاركة سيواصل تنفيذ دوريات بحرية مشتركة في مناطق مختلفة من المحيط الهادئ عقب انتهاء التدريبات، في خطوة ينظر إليها مراقبون باعتبارها رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
رسائل سياسية وعسكرية
ويرى محللون أن إعادة “التعليم المناهض للشيوعية” تحمل أبعادًا سياسية وعسكرية تتجاوز الجانب الأكاديمي، إذ تعكس إدراك القيادة التايوانية لتغير طبيعة التهديدات، وانتقال المنافسة مع الصين من المجال العسكري التقليدي إلى مجالات الفكر والإعلام والحرب السيبرانية.
كما تأتي هذه الخطوة ضمن سلسلة إجراءات اتخذتها تايوان خلال الأشهر الأخيرة لتعزيز جاهزية قواتها المسلحة، في ظل تصاعد الضغوط الصينية، وزيادة وتيرة المناورات الجوية والبحرية حول الجزيرة.
ويعتقد خبراء أن تايبيه تسعى من خلال هذه السياسات إلى تعزيز قدرة الجيش على مواجهة أي سيناريو مستقبلي، سواء تمثل في ضغوط عسكرية مباشرة أو في عمليات تستهدف إضعاف الجبهة الداخلية.
وفي المقابل، تؤكد الصين باستمرار أن قضية تايوان تمثل شأنًا داخليًا، وتعتبر أي تحركات لتعزيز التعاون العسكري بين تايبيه وشركائها الدوليين انتهاكًا لمبدأ “الصين الواحدة”، بينما تواصل التأكيد أنها تحتفظ بحق استخدام القوة إذا اقتضت الضرورة لتحقيق إعادة توحيد الجزيرة مع البر الرئيسي.










