كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، في تقرير مثير للجدل، عن أزمة ثقة حادة اندلعت داخل أروقة الاستخبارات الإسرائيلية، بعد رفض مسؤولين كبار التوقيع على وثيقة رسمية طُلب منهم المصادقة عليها، كانت تهدف إلى دعم رواية سياسية تزعم “التدمير الكامل” للبرنامج النووي الإيراني.
ضغوط سياسية وصدامات استخباراتية
وأفادت الصحيفة أن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مارس ضغوطاً مكثفة على جهات أمنية وعسكرية لإصدار تقييم يتماشى مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقب العمليات العسكرية التي استهدفت إيران في يونيو/حزيران 2025.
وتعود وقائع القصة إلى صباح يوم 25 يونيو 2025، حيث سُمعت أصوات صراخ عالية من خلف أبواب مغلقة في أحد مكاتب كبار مسؤولي الاستخبارات الإسرائيلية. كان هذا الصدام نتيجة لمحاولات مكتب نتنياهو دفع القيادات الاستخباراتية للمصادقة على وثيقة تؤكد تدمير المنشآت النووية الإيرانية بالكامل، وهو إنجاز كان ترامب ونتنياهو قد تباهيا به أمام العالم كـ “انتصار تاريخي” أزال التهديد الإيراني “لأجيال قادمة”.
الحقيقة في مواجهة الرواية السياسية
وعلى الرغم من إعلان “الانتصار”، إلا أن التقييمات الاستخباراتية الداخلية كانت تشير إلى واقع مغاير تماماً. فقد خلص خبراء الاستخبارات إلى أن الأضرار التي لحقت بالمنشآت في “نطنز” و”فوردو” و”أصفهان” كانت كبيرة لكنها ليست “حاسمة أو نهائية”. وجاءت هذه القناعة متوافقة مع تقرير لوزارة الحرب الأمريكية نُشر حينها، والذي أثار غضب البيت الأبيض لعدم كونه حاسماً.
ونقلت الصحيفة عن أحد المسؤولين الاستخباراتيين رفضه القاطع للرضوخ للضغوط، حيث قال لأحد رؤسائه: “لا يمكنني التوقيع على هذا. إذا انكشفت الحقيقة، ولن تظل مخفية للأبد، فلن تحمينا أي جهة، ونحن من سندفع الثمن”. وأضاف المسؤول بنبرة حادة: “ما ذنبي إذا كان نتنياهو أو ترامب قد تباهيا بإنجازات يعلم أي طفل أنها لم تتحقق؟”.
معركة صياغة الوثيقة
أشارت الصحيفة إلى أن العميد احتياط موشيه أدري، مدير عام لجنة الطاقة الذرية الإسرائيلية، أبدى استعداداً لإعداد الوثيقة، لكنه اصطدم برفض جماعي من كبير العلماء وعدد من كبار المسؤولين الذين اعتبروا النص “محرّفاً بدرجة كبيرة”.
وبعد شد وجذب، تم التوصل إلى صيغة معدلة باللغة الإنجليزية، خففت من حدة الادعاءات؛ حيث اكتفت بالقول إن الضربات دمرت بنية تحتية حيوية وجعلت منشأة “فوردو” غير صالحة للاستخدام حالياً، مقدرة أن البرنامج عاد “سنوات عديدة إلى الوراء”، دون التأكيد على تدميره نهائياً.
الفجوة بين الإعلان والواقع
حرص العلماء الإسرائيليون على إدراج فقرة ختامية تضع “شرطاً” لاستدامة هذا الإنجاز، وهو “عدم حصول إيران على مواد نووية جديدة”.
وكان دافعهم الحقيقي إدراكهم أن إيران احتفظت بنحو 440 كغم من المواد الانشطارية، وهي كمية كافية لإنتاج ما يقرب من 11 قنبلة نووية، مما جعل ادعاء “التدمير الكامل” يبدو في نظرهم غير دقيق ومناقضاً للواقع الاستخباراتي.
ويكشف هذا التقرير الفجوة العميقة بين الحسابات السياسية للقيادة الإسرائيلية والأمريكية وبين التحليلات المهنية للأجهزة الاستخباراتية التي رفضت تزييف الحقائق، مما يضع مستقبل العلاقات بين المستويين السياسي والأمني في إسرائيل أمام تساؤلات جدية حول النزاهة المهنية في وقت الأزمات الوجودية.










