الشرطة تؤكد وجود أدلة طبية على الاعتداءات.. والمحكمة تواصل احتجاز المتهمين وسط مطالبات باستقالة إسحاق دار وتصاعد الجدل السياسي
إسلام آباد- المنشر_الاخباري
أثارت قضية جنائية مروعة هزت الرأي العام في باكستان موجة غضب واسعة، بعدما أعلنت الشرطة اعتقال أربعة أشخاص، بينهم قريب لنائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية إسحاق دار، للاشتباه في تورطهم بخطف سائحتين أجنبيتين واحتجازهما وتعريضهما لاعتداءات جنسية جماعية، قبل ابتزاز عائلتيهما والمطالبة بفدية بلغت 1.5 مليون دولار مقابل إطلاق سراحهما.
وتحولت القضية خلال ساعات إلى واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل في البلاد، ليس فقط بسبب بشاعة الاتهامات، وإنما أيضاً بسبب ارتباط المتهم الرئيسي بعائلة أحد أبرز المسؤولين في الحكومة الباكستانية، الأمر الذي دفع شخصيات سياسية وبرلمانية إلى المطالبة بإجراء تحقيق شفاف ومستقل، ومحاسبة جميع المتورطين دون استثناء.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام باكستانية، فإن الضحيتين هما الهولندية ستيفاني أدريانا مو-عاصم، والفنزويلية أستريد روبنسون براشو، وقد وصلتا إلى مدينة لاهور في 29 يونيو/حزيران الماضي، بعد تلقيهما دعوة من المتهم الرئيسي محمد رضا دار، الذي تعرفتا إليه في سنغافورة خلال أكتوبر/تشرين الأول 2025، كما تولى مساعدتهما في استخراج تأشيرتي الدخول إلى باكستان.
ووفقاً لمحضر الشرطة، فقد اصطحب المتهم السائحتين فور وصولهما إلى منزل يقع في حي “ديفينس هاوسينغ أوثوريتي” الراقي بمدينة لاهور، حيث جرى احتجازهما بالقوة ومنعهما من المغادرة، قبل أن تتعرضا، بحسب التحقيقات، لاعتداءات جنسية متكررة على أيدي عدد من المتهمين.
وأضافت التحقيقات أن أفراد العصابة استولوا على ممتلكات الضحيتين، وهددوهما باستخدام السكاكين والأسلحة النارية لإجبارهما على عدم المقاومة أو إبلاغ السلطات، قبل الانتقال إلى مرحلة ابتزاز عائلتيهما مالياً.
وكشفت الشرطة أن المتهمين تواصلوا مع أسرتي الضحيتين وطالبوهما بدفع فدية قدرها مليون ونصف المليون دولار مقابل الإفراج عنهما، في محاولة لجمع مبالغ مالية ضخمة مستغلين احتجازهما.
وبدأت خيوط القضية تتكشف عندما تلقى مركز شرطة لاهور اتصالاً طارئاً من والد إحدى الضحيتين من إسبانيا، أبلغ خلاله عن فقدان الاتصال بابنته وصديقتها بعد وصولهما إلى باكستان، مشيراً إلى أن العائلة بدأت تتلقى مطالبات مالية ورسائل تهديد مصدرها مدينة لاهور.
وأدى البلاغ إلى استنفار الأجهزة الأمنية الباكستانية، خاصة أن الأمر يتعلق بمواطنتين أجنبيتين، كما دخل السفير الهولندي لدى باكستان على خط الأزمة، مطالباً بسرعة التحرك لكشف ملابسات اختفائهما وضمان سلامتهما.
وبحسب السلطات، تمكنت الشرطة خلال أقل من ساعتين من تحديد مكان احتجاز المرأتين، ونفذت عملية مداهمة للمنزل، أسفرت عن تحريرهما وإلقاء القبض على أربعة متهمين هم محمد رضا دار، وحسن رضا، وسكندر خان، وساجد علي، فيما لا يزال متهم خامس يدعى علي دار متوارياً عن الأنظار، وتواصل الأجهزة الأمنية عمليات البحث عنه.
وأكد نائب المفتش العام لشرطة لاهور للعمليات، فيصل كامران، أن الفحوص الطبية التي خضعت لها الضحيتان أثبتت وجود مؤشرات وأدلة تدعم اتهامات الاغتصاب، موضحاً أن التحقيقات لا تزال مستمرة لاستكمال جمع الأدلة الجنائية.
وأشار المسؤول الأمني إلى أن المحكمة وافقت على طلب الشرطة بإبقاء المتهمين قيد الاحتجاز المؤقت، بهدف استكمال التحقيقات وضبط الأسلحة التي يُشتبه باستخدامها خلال ارتكاب الجرائم، إضافة إلى إجراء الفحوص الجنائية اللازمة.
وخلال مؤتمر صحفي، سُئل كامران عن التقارير التي تتحدث عن صلة قرابة بين المتهم الرئيسي محمد رضا دار ووزير الخارجية إسحاق دار، لكنه لم ينفِ تلك العلاقة، مؤكداً أن “القانون يطبق على الجميع دون استثناء”، وأن الشرطة لا تتعرض لأي ضغوط سياسية، وأن العملية الأمنية نُفذت بتوجيه مباشر من رئيسة وزراء إقليم البنجاب مريم نواز.
ورغم تصاعد الجدل، لم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من إسحاق دار أو وزارة الخارجية الباكستانية بشأن صلة القرابة المزعومة، كما لم يصدر أي نفي أو توضيح رسمي حول ما يتداول في وسائل الإعلام.
وقررت محكمة في لاهور استمرار احتجاز المتهمين الأربعة، مع تكليف الشرطة باستكمال التحقيقات وتقديم تقرير مفصل عن سير القضية خلال جلسة جديدة حددت في الثامن من يوليو/تموز الجاري.
سياسياً، فجرت القضية موجة انتقادات للحكومة، حيث دعا عضو مجلس الشيوخ الباكستاني فيصل فاوادا وزير الخارجية إسحاق دار إلى تقديم استقالته، معتبراً أن القضية تمثل “فضيحة وطنية” تستوجب تحمّل المسؤولية السياسية، حتى وإن لم تثبت أي مسؤولية مباشرة على الوزير نفسه.
واتهم فاوادا الحكومة بمحاولة التعامل مع القضية باعتبارها جريمة ابتزاز مالي أكثر من كونها قضية اغتصاب، معرباً عن مخاوفه من إمكانية التأثير على سير التحقيقات أو تسهيل مغادرة الضحيتين قبل استكمال الإجراءات القانونية، وهي اتهامات لم ترد عليها الحكومة حتى الآن.
ويرى مراقبون أن القضية ستضع الحكومة الباكستانية أمام اختبار حقيقي يتعلق باستقلال القضاء وأجهزة إنفاذ القانون، خاصة مع تزايد الضغوط الشعبية المطالبة بعدم منح أي امتيازات للمتهمين بسبب صلاتهم السياسية أو العائلية.
كما يتوقع أن تلقي القضية بظلالها على صورة باكستان خارجياً، خصوصاً أنها تتعلق بمواطنتين أجنبيتين، الأمر الذي قد يثير تساؤلات بشأن أمن السائحين والأجانب داخل البلاد، في وقت تسعى فيه إسلام آباد إلى تحسين صورتها الدولية وتشجيع الاستثمار والسياحة.
ويؤكد مراقبون أن سرعة تحرك الشرطة ونجاحها في تحرير الضحيتين خلال وقت قصير يعدان نقطة إيجابية، إلا أن الأنظار ستظل موجهة نحو مسار التحقيقات والإجراءات القضائية، ومدى قدرة السلطات على إثبات استقلاليتها في التعامل مع قضية يتداخل فيها البعد الجنائي مع الحساسية السياسية.










