قصة مهاجرة عاشت نصف قرن في إسرائيل تكشف تعقيدات الهوية اليهودية الأميركية، حيث تتداخل ذكريات اللجوء والتجذر في المجتمع الأميركي مع الارتباط التاريخي بالمشروع الصهيوني
لندن – المنشر_الاخباري
تعود إشكالية الهوية لدى اليهود الأميركيين إلى الواجهة مع استمرار الجدل حول العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وبينما يرى البعض أن الانتماء إلى إحدى الدولتين قد يفرض اختياراً على حساب الأخرى، تؤكد تجارب العديد من المهاجرين اليهود أن الرابط بين الجانبين أكثر تعقيداً من مجرد معادلة سياسية.
وتروي الكاتبة الأميركية الإسرائيلية باربرا سوفر، التي عاشت في إسرائيل لنحو نصف قرن، تجربتها الشخصية في محاولة التوفيق بين جذورها الأميركية وحياتها داخل المجتمع الإسرائيلي، مشيرة إلى أن سنوات الإقامة الطويلة لم تمحُ هويتها الأميركية، بل جعلتها تحمل انتماءين متداخلين.
وتقول سوفر إن اللهجة الأميركية لا تزال تكشف هويتها رغم مرور عقود على انتقالها إلى إسرائيل، مضيفة أن بعض الإسرائيليين ما زالوا ينظرون إليها باعتبارها “أميركية” مهما طال بقاؤها في البلاد، وهو ما يعكس استمرار الفروق الثقافية بين المهاجرين والمجتمع المحلي.
وترى الكاتبة أن هذا الشعور لا يمثل انفصالاً عن إسرائيل، بل يعكس طبقات متعددة من الهوية، حيث يمكن للشخص أن يحتفظ بارتباطه ببلد نشأته وفي الوقت ذاته يشعر بانتماء عميق إلى وطن اختاره لاحقاً.
وتستند سوفر إلى تاريخ عائلتها لتفسير هذا الارتباط، موضحة أن أجدادها فروا من الاضطهاد في أوروبا الشرقية ووصلوا إلى الولايات المتحدة بحثاً عن الأمان، قبل أن يصبحوا جزءاً من المجتمع الأميركي. وتقول إن ولادتها في الولايات المتحدة كانت بمثابة امتياز تاريخي، خصوصاً بعد اكتشافها لاحقاً مصير بعض أقاربها الذين قُتلوا خلال المحرقة النازية.
وتشير إلى أن نشأتها في الولايات المتحدة جمعت بين الهوية الأميركية والارتباط بالحركة الصهيونية، إذ شاركت عائلتها في مؤسسات يهودية أميركية داعمة لإسرائيل، ولم تكن ترى في ذلك أي تعارض بين حب الولايات المتحدة ودعم إسرائيل.
وتروي أن زيارتها الأولى إلى إسرائيل خلال فترة الدراسة غيّرت مسار حياتها، بعدما شعرت للمرة الأولى بأن الصلة بالمكان قد تتحول من مجرد تعاطف إلى رغبة في الاستقرار، وهو ما دفعها لاحقاً إلى الانتقال للعيش في إسرائيل بعد الجامعة.
لكن انتقالها لم ينهِ علاقتها بالولايات المتحدة، إذ تؤكد أنها احتفظت بقيم تربت عليها هناك، خصوصاً ما يتعلق بالديمقراطية والمشاركة السياسية والتنوع الديني والثقافي.
وتستحضر سوفر تجربتها في مراقبة الانتخابات داخل إسرائيل، مشيرة إلى أنها تعاملت مع العملية الانتخابية بحساسية شديدة نتيجة نشأتها في بيئة أميركية كانت تعتبر حماية الديمقراطية جزءاً أساسياً من المواطنة.
وتقول إن المهاجرين الأميركيين في إسرائيل واجهوا في البداية صوراً نمطية مرتبطة بالثقافة الأميركية، حيث اتُهموا بإدخال أنماط استهلاكية واجتماعية جديدة، مثل الموسيقى الغربية وثقافة الشباب وبعض العادات التي لم تكن مألوفة في المجتمع الإسرائيلي حينها.
إلا أنها ترى أن هذه النظرة تغيرت مع مرور الوقت، خصوصاً مع ازدياد العلاقات بين الإسرائيليين والأميركيين، ووجود عائلات إسرائيلية لها أقارب في الولايات المتحدة أو تجارب سفر ودراسة هناك.
وتأتي هذه الشهادة في وقت تشهد فيه العلاقة بين إسرائيل والجاليات اليهودية في الخارج نقاشات متزايدة، خصوصاً داخل الولايات المتحدة، حيث ظهرت خلافات بين بعض اليهود الأميركيين بشأن سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، خاصة في ملفات الصراع الفلسطيني والشرق الأوسط.
ويرى مراقبون أن الجيل الجديد من اليهود الأميركيين أصبح أكثر تنوعاً في مواقفه السياسية، إذ لم يعد الارتباط بإسرائيل يعني بالضرورة تأييد كل سياساتها، كما أن الهوية اليهودية باتت بالنسبة للكثيرين مزيجاً من الدين والثقافة والتاريخ والمواقف السياسية.
وتختصر تجربة سوفر هذا التعقيد، إذ تؤكد أن الإنسان يمكن أن يحمل أكثر من انتماء في الوقت نفسه، وأن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل بالنسبة لكثير من اليهود الأميركيين ليست اختياراً بين طرفين، بل تداخل بين تاريخ شخصي وجذور عائلية وخيارات حياتية.
وفي ظل التحولات السياسية داخل الولايات المتحدة وإسرائيل، يبقى سؤال الهوية والانتماء واحداً من أكثر الملفات حساسية داخل المجتمعات اليهودية في العالم، حيث تتقاطع المشاعر التاريخية مع الواقع السياسي المتغير.










