إطار تفاهم برعاية أميركية يفتح نافذة دبلوماسية بين بيروت وتل أبيب بعد عقود من الصراع.. لكن ملف الحزب يبقى العقدة الأصعب أمام أي اتفاق دائم
بيروت – المنشر_الاخباري
بعد أكثر من أربعة عقود من القطيعة والصدامات العسكرية، دخلت العلاقات بين إسرائيل ولبنان مرحلة جديدة مع الإعلان عن إطار تفاهم تدعمه الولايات المتحدة، في خطوة تُقدَّم باعتبارها محاولة لنقل الخلافات من ساحات القتال إلى طاولة المفاوضات، لكن نجاح هذا المسار يواجه اختباراً حاسماً يتمثل في ملف سلاح حزب الله وقدرة الدولة اللبنانية على فرض نفوذها الكامل في الجنوب.
ويحمل الاتفاق الجديد أهمية رمزية وسياسية كبيرة، إذ يأتي في منطقة اعتادت أن تكون فيها التفاهمات قصيرة الأجل، وغالباً ما تنهار أمام التحولات الأمنية والميدانية. ويرى داعمو الخطوة أن مجرد وجود آلية حوار منظمة بين بيروت وتل أبيب يمثل تطوراً لافتاً، خاصة بعد سنوات طويلة من التوترات التي جعلت الحدود اللبنانية الإسرائيلية واحدة من أكثر الجبهات قابلية للاشتعال في الشرق الأوسط.
لكن خلف لغة التهدئة والدبلوماسية، يبقى السؤال الأكبر: هل يمكن تطبيق أي اتفاق من دون معالجة وضع حزب الله العسكري؟
حزب الله.. الاختبار الحقيقي للاتفاق
ترى إسرائيل أن إنهاء التهديدات القادمة من جنوب لبنان يتطلب ضمانات واضحة بشأن انتشار السلاح والقوات المسلحة غير التابعة للدولة اللبنانية، وتحديداً ترسانة حزب الله التي تعتبرها تل أبيب التحدي الأمني الأكبر على حدودها الشمالية.
وخلال السنوات الماضية، تحول ملف الحزب إلى محور أساسي في أي نقاش يتعلق بأمن الحدود، إذ تؤكد إسرائيل أن امتلاك حزب الله آلاف الصواريخ والقدرات العسكرية المتطورة يشكل خطراً استراتيجياً، بينما يرى الحزب أن سلاحه يمثل وسيلة ردع في مواجهة إسرائيل التي لا تزال تحتفظ بمناطق متنازع عليها وتخوض صراعات إقليمية متكررة.
أما الحكومة اللبنانية فتجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، فهي تواجه ضغوطاً داخلية وخارجية لإعادة حصر القرار العسكري بيد مؤسسات الدولة، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن أي مواجهة مباشرة مع حزب الله قد تفتح أزمة سياسية وأمنية واسعة داخل البلاد.
واشنطن تراهن على الدبلوماسية
تلعب الولايات المتحدة دوراً محورياً في دفع الاتفاق بين الجانبين، إذ ترى واشنطن أن تثبيت الهدوء على الحدود اللبنانية الإسرائيلية يخدم مصالحها في تقليل احتمالات اندلاع حرب جديدة في المنطقة.
وتسعى الإدارة الأميركية إلى بناء ترتيبات أمنية تضمن منع عودة التصعيد، مع دعم الجيش اللبناني ليكون القوة الأساسية المسؤولة عن الأمن في الجنوب، في محاولة لتقليص نفوذ الجماعات المسلحة خارج مؤسسات الدولة.
لكن التحدي أمام واشنطن يتمثل في تحويل الضغوط السياسية إلى خطوات عملية، خصوصاً أن ملف حزب الله لا يرتبط فقط بالحدود اللبنانية، بل يمتد إلى الحسابات الإقليمية المرتبطة بإيران والصراعات الأوسع في الشرق الأوسط.
اتفاق هش أم بداية تحول تاريخي؟
يرى محللون أن الاتفاق يمكن أن يشكل نقطة تحول إذا نجح في بناء الثقة بين الطرفين، وخلق ترتيبات أمنية قابلة للاستمرار، لكنه قد يتحول إلى مجرد هدنة مؤقتة إذا بقيت القضايا الأساسية دون حل.
فالتجارب السابقة في المنطقة تظهر أن الاتفاقات السياسية لا تصمد طويلاً عندما تتجاهل القوى الفاعلة على الأرض. وفي الحالة اللبنانية، فإن أي صيغة جديدة ستحتاج إلى التعامل مع حزب الله باعتباره لاعباً رئيسياً لا يمكن تجاوزه.
كما أن الوضع الداخلي في لبنان يمثل عاملاً حاسماً، إذ تعاني البلاد من أزمات اقتصادية وسياسية عميقة، ما يجعل تنفيذ التزامات أمنية كبيرة أمراً صعباً من دون توافق داخلي واسع.
الجنوب اللبناني بين الهدوء والمواجهة
يمثل جنوب لبنان ساحة الاختبار الأولى لأي تفاهم جديد، حيث تسعى إسرائيل إلى ضمان عدم تحول المنطقة مرة أخرى إلى جبهة عسكرية، بينما تحاول بيروت تحقيق توازن بين الحفاظ على سيادتها ومنع انفجار مواجهة داخلية.
وفي حال نجح الاتفاق في تثبيت ترتيبات أمنية طويلة الأمد، فقد يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من العلاقات بين لبنان وإسرائيل، وربما يمهد لتعاون محدود في ملفات اقتصادية وحدودية.
لكن إذا فشل في معالجة جوهر الخلاف، وعلى رأسه قضية سلاح حزب الله، فإن التفاهم قد يبقى مجرد محطة مؤقتة في مسار طويل من الصراع.
وفي النهاية، فإن مستقبل الاتفاق لن يتحدد فقط بما تم توقيعه على الورق، بل بما ستشهده الأشهر المقبلة من خطوات ميدانية، ومدى قدرة الأطراف على تجاوز الحسابات العسكرية والسياسية التي حكمت العلاقة بين لبنان وإسرائيل لعقود.










