في تطور غير مألوف بالنسبة لإسرائيل، لم تعد المخاوف تتركز على تراجع الدعم داخل الحزب الديمقراطي، بل امتدت إلى الحزب الجمهوري، الذي شكّل لعقود الحليف الأكثر ثباتًا لتل أبيب داخل الولايات المتحدة. فمع صعود تيار “أمريكا أولًا” وازدياد نفوذ شخصيات محافظة تتبنى نهجًا انعزاليًا، بدأت دوائر إسرائيلية تتحدث عن تغير تدريجي قد يعيد رسم طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين البلدين.
واشنطن – المنشر_الاخباري
ويرى مراقبون أن التصريحات الأخيرة لنائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، التي انتقد فيها بعض السياسات الإسرائيلية خلال حديثه عن الحرب مع إيران، ليست مجرد موقف عابر، وإنما تعكس تحولًا داخل جزء من النخبة الجمهورية، يقوم على أولوية المصالح الأمريكية حتى لو تعارضت مع الرؤية الإسرائيلية.
نهاية مرحلة “الدعم غير المشروط”
على مدار عقود، اعتمدت إسرائيل على دعم قوي من الحزب الجمهوري، الذي تبنى مواقف داعمة لتل أبيب في معظم الملفات، سواء المتعلقة بالمساعدات العسكرية أو المواجهة مع إيران أو القضايا المطروحة داخل الأمم المتحدة.
لكن مؤشرات جديدة بدأت تظهر داخل الحزب، مع صعود تيار يرفض استمرار الانخراط الأمريكي في أزمات الشرق الأوسط، ويرى أن الولايات المتحدة دفعت أثمانًا باهظة بسبب الحروب الخارجية، وأن الوقت حان لإعادة ترتيب الأولويات والتركيز على الداخل الأمريكي.
وبحسب تقديرات سياسية، فإن هذا التيار لم يعد هامشيًا، بل أصبح يملك نفوذًا متزايدًا داخل الحزب الجمهوري، خاصة بين الشباب المحافظين والقواعد الشعبية المؤيدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
تصريحات فانس تثير القلق
وجاءت تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس لتزيد المخاوف الإسرائيلية، بعدما تحدث عن وجود أطراف داخل إسرائيل تسعى للتأثير على القرار السياسي والإعلامي في الولايات المتحدة بهدف دفع واشنطن إلى مواصلة التصعيد العسكري مع إيران، بدلاً من منح فرصة للمفاوضات.
كما انتقد فانس ما وصفه بحملات ضغط تستهدف الرأي العام الأمريكي لدعم استمرار المواجهة العسكرية، معتبرًا أن بعض القوى داخل إسرائيل لا ترغب في إنهاء التصعيد.
وأثارت هذه التصريحات ردود فعل واسعة داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية، حيث اعتبرها مراقبون خروجًا عن الخط الجمهوري التقليدي، وفتحًا لباب التشكيك في طبيعة العلاقة الخاصة التي تربط واشنطن بتل أبيب.
تحولات داخل المعسكر المحافظ
ويرى محللون أن فانس لا يمثل حالة فردية، بل يعكس تيارًا سياسيًا جديدًا داخل الحزب الجمهوري يرفض استمرار “الحروب المفتوحة” ويرى أن حماية المصالح الأمريكية لا تستلزم بالضرورة الانخراط في كل صراع تشهده منطقة الشرق الأوسط.
ويستند هذا التيار إلى أفكار تدعو إلى تقليص الإنفاق العسكري الخارجي، وإعادة القوات الأمريكية المنتشرة في الخارج، وعدم ربط الأمن القومي الأمريكي بأزمات إقليمية لا تمثل تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة.
وتقول تقديرات إن هذا التحول يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه إسرائيل، لأن الرهان التقليدي على الحزب الجمهوري باعتباره الضامن الأول للدعم الأمريكي قد لا يبقى بنفس القوة خلال السنوات المقبلة.
مخاوف من انعكاسات عملية
ولا تقتصر المخاوف الإسرائيلية على الجانب السياسي، بل تمتد إلى ملفات استراتيجية، تشمل المساعدات العسكرية، والتعاون الاستخباراتي، وصفقات التسليح، والموقف الأمريكي من التوسع الاستيطاني والضفة الغربية.
ويعتقد محللون أن أي تغير في المزاج السياسي داخل الحزب الجمهوري قد ينعكس مستقبلًا على قرارات الكونغرس والإدارة الأمريكية، خاصة إذا أصبح التيار الانعزالي أكثر تأثيرًا في رسم السياسة الخارجية.
كما يخشى مسؤولون إسرائيليون من أن يؤدي هذا التحول إلى تقليص هامش الدعم الأمريكي غير المشروط، الذي شكل أحد أهم عناصر القوة الإسرائيلية على الساحة الدولية.
صراع داخل الحزب الجمهوري
في المقابل، لا يزال هناك جناح واسع داخل الحزب الجمهوري يتمسك بالعلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل، ويرى أن أمنها جزء من المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، وأن مواجهة إيران تمثل أولوية مشتركة.
إلا أن تزايد الأصوات الداعية إلى مراجعة هذه العلاقة يكشف عن انقسام غير مسبوق داخل الحزب، بين تيار تقليدي يؤمن بالتحالف التاريخي مع تل أبيب، وآخر يعتبر أن الولايات المتحدة يجب ألا تُستدرج إلى صراعات لا تحقق مكاسب مباشرة للمواطن الأمريكي.
ويرى مراقبون أن هذا الجدل مرشح للتصاعد مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، حيث أصبحت السياسة الخارجية، وخاصة العلاقة مع إسرائيل، جزءًا من النقاش الداخلي داخل المعسكر المحافظ.
مرحلة جديدة في العلاقات
ويخلص محللون إلى أن إسرائيل تواجه للمرة الأولى تحديًا سياسيًا حقيقيًا داخل الحزب الذي ظل لعقود حليفها الأقرب في واشنطن.
فبينما كانت تل أبيب تركز في السنوات الماضية على احتواء الانتقادات القادمة من الديمقراطيين، بات عليها اليوم التعامل مع تغيرات داخل الحزب الجمهوري نفسه، قد تعيد رسم شكل التحالف الأمريكي الإسرائيلي خلال المرحلة المقبلة.
ورغم أن هذا التحول لم يصل بعد إلى حد تغيير السياسات الرسمية، فإن اتساع النقاش داخل الأوساط المحافظة يشير إلى أن الدعم الأمريكي لإسرائيل لم يعد ملفًا يحظى بالإجماع المطلق كما كان في السابق، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات قد تحمل تحديات غير مسبوقة للطرفين.










