كارثة إنسانية في شمال كردفان.. الأمم المتحدة تحذر من تصاعد العنف ضد النساء وسط معارك الجيش السوداني وقوات الدعم السريع
بورتسودان- المنشر_الاخباري
تواجه النساء والفتيات في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان واحدة من أقسى الأزمات الإنسانية في السودان، حيث أصبحن عالقات بين خطر الهجمات بالطائرات المسيّرة خلال النهار وتهديد العنف الجنسي أثناء محاولتهن الحصول على المياه ليلاً، وفق تحذيرات أطلقتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة.
وقالت المنظمة الأممية إن سكان المدينة المحاصرة يعيشون ظروفاً قاسية مع تراجع الوصول إلى الغذاء والرعاية الصحية والمياه النظيفة، في ظل تصاعد المواجهات المسلحة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، التي أدت إلى تدهور الوضع الإنساني في مناطق واسعة من البلاد.
وأكدت آنا موتافاتي، المديرة الإقليمية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في شرق وجنوب أفريقيا، أن النساء والفتيات في الأبيض يتعرضن لانتهاكات خطيرة أثناء محاولتهن الوصول إلى أحد أبسط الاحتياجات الأساسية للحياة، وهو الماء.
وقالت موتافاتي خلال مؤتمر صحفي في جنيف عبر اتصال مرئي من نيروبي:
“تعرضت هؤلاء النساء والفتيات للمضايقة والاغتصاب وأشكال أخرى من العنف الجنسي، وكل ذلك أثناء محاولتهن الوصول إلى المياه، وهي من الحقوق الإنسانية الأساسية”.
لا وقت آمن لجلب المياه
بحسب الأمم المتحدة، أصبحت عملية الحصول على المياه في مدينة الأبيض مهمة محفوفة بالمخاطر، إذ تستهدف الطائرات المسيّرة بعض مصادر المياه خلال ساعات النهار، ما دفع العديد من النساء إلى الانتظار حتى حلول الظلام لجلب المياه.
لكن الليل لا يوفر لهن الحماية، بل يفتح الباب أمام مخاطر جديدة، من بينها الاعتداءات الجنسية والتحرش والعنف.
وقالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة إن النساء في المدينة يواجهن خياراً بالغ القسوة: إما التعرض لخطر القصف والهجمات بالطائرات المسيّرة أثناء النهار، أو مواجهة خطر الاعتداءات عند الخروج ليلاً.
وتعد المياه واحدة من أكثر الأزمات إلحاحاً في المناطق المحاصرة بالسودان، حيث أدى القتال المستمر إلى تدمير البنية التحتية وقطع العديد من خطوط الإمداد.
مدينة تحت الحصار
وتأتي التحذيرات الجديدة بعد أن أشار مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إلى أن المدنيين في الأبيض يعيشون ظروفاً شبيهة بالحصار منذ نحو 18 شهراً، مع نقص حاد في المياه النظيفة واستمرار الضربات الجوية بالطائرات المسيّرة.
وحذر تورك من احتمال تكرار الانتهاكات التي شهدتها مدينة الفاشر في إقليم دارفور، والتي شهدت العام الماضي موجة من الجرائم والانتهاكات ضد المدنيين خلال المعارك بين الأطراف المتحاربة.
وتقع الأبيض في موقع استراتيجي بوسط السودان، ما جعلها ساحة مهمة للصراع بين القوات المتنافسة، حيث تسعى الأطراف المسلحة للسيطرة على طرق الإمداد والمواقع الحيوية.
أزمة عنف جنسي غير مسبوقة
ولا تقتصر معاناة النساء على مدينة الأبيض وحدها، إذ تشير بيانات الأمم المتحدة للمرأة إلى أن نحو 12.7 مليون امرأة وفتاة في السودان بحاجة إلى خدمات الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي خلال عام 2026.
ويمثل هذا الرقم زيادة هائلة مقارنة بالفترة التي سبقت اندلاع الحرب، حيث تضاعفت الحاجة إلى الدعم بسبب انتشار الاعتداءات الجنسية والانتهاكات المرتبطة بالنزاع.
وأكدت المنظمة أن حجم الاحتياجات في الأبيض تحديداً قد يكون أكبر من الأرقام المتاحة، نظراً لصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة بسبب استمرار القتال والقيود الأمنية.
وتضم المدينة نحو 500 ألف نسمة، وتشكل النساء والأطفال حوالي 70% من سكانها، ما يجعل الفئات الأكثر ضعفاً هي الأكثر تعرضاً لتداعيات الحرب.
تراجع الدعم يزيد المعاناة
وفي الوقت الذي تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية، تواجه المنظمات العاملة في مجال حماية النساء نقصاً حاداً في التمويل.
وقالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة إن تخفيضات التمويل الدولي أدت إلى تراجع قدرة العديد من المنظمات المحلية التي تقودها النساء على تقديم الدعم، مشيرة إلى أن ثلثي المنظمات النسائية التي شملها مسح في السودان أفادت بأن أماكن الحماية والخدمات الخاصة بضحايا العنف الجنسي أُغلقت أو تقلصت بشكل كبير.
ويهدد هذا الوضع بترك آلاف الضحايا دون رعاية طبية أو دعم نفسي أو حماية قانونية.
حرب السودان تدخل مرحلة أكثر خطورة
يدخل الصراع السوداني عامه الرابع وسط واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تسبب القتال في نزوح ملايين الأشخاص وانهيار قطاعات أساسية مثل الصحة والتعليم والخدمات العامة.
ويرى مراقبون أن استهداف المدنيين والبنية التحتية الحيوية، إضافة إلى انتشار العنف الجنسي، يمثل تحولاً خطيراً في طبيعة الحرب، إذ أصبحت حياة السكان العاديين نفسها جزءاً من ساحة الصراع.
ومع استمرار المعارك في شمال كردفان ومناطق أخرى، تحذر الأمم المتحدة من أن غياب الحماية وندرة المساعدات قد يؤديان إلى كارثة أكبر، خصوصاً بالنسبة للنساء والأطفال الذين يتحملون العبء الأكبر من الحرب.
وفي مدينة الأبيض، لم تعد رحلة البحث عن الماء مجرد مهمة يومية، بل أصبحت اختباراً للبقاء على قيد الحياة، حيث تواجه النساء خيارين كلاهما يحمل خطراً: مسيّرات في السماء.. ومعتدون في الظلام.










