تمديد المهمة التركية يكشف رهانات أنقرة في القرن الأفريقي.. من مكافحة الإرهاب وتأمين الملاحة إلى البحث عن النفط والغاز في المياه الصومالية
أنقرة – المنشر_الاخباري
لم يكن قرار البرلمان التركي تمديد مهمة القوات المسلحة التركية في الصومال لعامين إضافيين مجرد إجراء روتيني، بل يمثل استمراراً لاستراتيجية أوسع تسعى من خلالها أنقرة إلى تثبيت حضورها في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.
فقد وافق البرلمان التركي على تمديد تفويض انتشار القوات التركية في الصومال حتى 27 يوليو 2028، بعد مذكرة رئاسية قدمها الرئيس رجب طيب أردوغان، ما يسمح باستمرار الدعم العسكري والتدريب والتعاون الأمني بين البلدين.
ويأتي القرار في وقت تتوسع فيه العلاقات التركية الصومالية لتتجاوز المجال العسكري، لتشمل الطاقة والاستثمار والأمن البحري، ما يجعل الصومال أحد أهم محاور السياسة التركية في القارة الأفريقية.
قاعدة عسكرية في موقع استراتيجي
يمثل الموقع الجغرافي للصومال أحد أهم أسباب اهتمام تركيا بالبلاد، إذ تمتلك الدولة الواقعة في القرن الأفريقي واحداً من أطول السواحل في أفريقيا، وتطل مباشرة على خليج عدن وبحر العرب، بالقرب من أحد أهم طرق التجارة العالمية.
وتنظر أنقرة إلى الصومال باعتباره نقطة استراتيجية يمكن من خلالها تعزيز حضورها في منطقة تربط بين الشرق الأوسط وأفريقيا والمحيط الهندي.
ومنذ سنوات، تدير تركيا منشأة عسكرية كبيرة في العاصمة مقديشو، تعمل كمركز لتدريب وتأهيل القوات المسلحة الصومالية، ضمن اتفاقيات التعاون الدفاعي بين البلدين.
وتسعى تركيا من خلال هذا الوجود إلى بناء شريك أمني محلي قادر على مواجهة التحديات الداخلية، وفي مقدمتها تهديدات حركة الشباب المسلحة، التي تواصل تنفيذ هجمات داخل الصومال رغم الحملات العسكرية المستمرة ضدها.
مواجهة الإرهاب وتعزيز قدرات الجيش الصومالي
يعد ملف الأمن أحد الركائز الرئيسية في التعاون بين أنقرة ومقديشو.
فالصومال يواجه منذ سنوات تهديداً مستمراً من حركة الشباب، التي تمتلك قدرة على تنفيذ هجمات معقدة ضد أهداف عسكرية وحكومية ومدنية.
وترى الحكومة الصومالية أن الدعم التركي يمثل عنصراً مهماً في إعادة بناء الجيش الوطني ورفع جاهزيته، خاصة مع استمرار الحاجة إلى قوات محلية قادرة على تولي مسؤولية الأمن بعد عقود من الاضطرابات.
وتوفر تركيا تدريبات عسكرية متخصصة للقوات الصومالية، إضافة إلى الدعم في مجالات التخطيط والتنظيم والتأهيل، وهو ما جعل التعاون الدفاعي بين البلدين من أكثر الشراكات العسكرية نشاطاً في المنطقة.
البحر الأحمر وخليج عدن.. ساحة تنافس دولي
لا ينفصل الوجود التركي في الصومال عن التنافس الدولي المتزايد حول البحر الأحمر وخليج عدن.
فالمنطقة تعد ممراً حيوياً لحركة السفن التجارية العالمية، كما أنها تشهد حضوراً عسكرياً واسعاً لقوى دولية وإقليمية بسبب أهميتها الجيوسياسية.
وتسعى تركيا إلى تعزيز دورها البحري في المنطقة، خصوصاً مع توسع مصالحها التجارية والعسكرية خارج حدودها التقليدية.
ويرى محللون أن استمرار القوات التركية في الصومال يمنح أنقرة قدرة أكبر على متابعة التطورات الأمنية في المنطقة وحماية مصالحها البحرية والاقتصادية.
النفط والغاز.. الوجه الآخر للشراكة
رغم أن الجانب العسكري هو الأكثر وضوحاً في العلاقات التركية الصومالية، فإن ملف الطاقة أصبح عاملاً متزايد الأهمية.
وفي أبريل 2026، وصلت سفينة الحفر التركية “تشاغري بيه” (Çağrı Bey) إلى السواحل الصومالية لتنفيذ عمليات استكشاف بحرية عميقة، في أول مهمة حفر تركية خارج البلاد.
وتعمل السفينة على استكشاف مناطق بحرية في المحيط الهندي وبحر العرب، حيث تغطي بعض القطع البحرية مساحات واسعة تصل إلى نحو 5 آلاف كيلومتر مربع لكل منطقة.
وتشمل الخطة عمليات حفر قد تصل إلى أعماق تقارب 7500 متر، بعد تنفيذ مسوحات زلزالية هدفت إلى تحديد المناطق الأكثر احتمالاً لوجود احتياطات نفط وغاز.
ورغم أن النتائج التجارية النهائية لم تُحسم بعد، فإن دخول تركيا إلى قطاع الطاقة الصومالي يعكس رغبة أنقرة في بناء علاقة طويلة الأمد تتجاوز الدعم الأمني إلى شراكة اقتصادية استراتيجية.
تركيا تبحث عن موطئ قدم في أفريقيا
خلال العقد الأخير، كثفت تركيا حضورها في القارة الأفريقية عبر مشاريع تنموية واتفاقيات اقتصادية وتعاون عسكري.
ويعد الصومال أحد أبرز الأمثلة على هذا التوجه، إذ تمكنت أنقرة من بناء علاقة قوية مع الحكومة الصومالية في وقت تراجعت فيه علاقات مقديشو مع بعض القوى الغربية.
وتقدم تركيا نفسها كشريك يدعم بناء المؤسسات وليس مجرد قوة عسكرية، وهو خطاب ساعدها على توسيع نفوذها في عدد من الدول الأفريقية.
لكن في المقابل، يرى منتقدون أن التحركات التركية تحمل أيضاً أهدافاً جيوسياسية، خاصة مع تزايد أهمية الموانئ والممرات البحرية وموارد الطاقة في القارة.
لماذا حتى عام 2028؟
تمديد المهمة التركية حتى 2028 يعكس رغبة الطرفين في الحفاظ على استمرارية التعاون وعدم ترك فراغ أمني في مرحلة لا تزال فيها الصومال تواجه تحديات كبيرة.
بالنسبة لمقديشو، يمثل الوجود التركي دعماً مهماً في مواجهة الجماعات المسلحة وبناء قدرات الدولة.
أما بالنسبة لأنقرة، فإن السنوات المقبلة قد تكون فرصة لتعزيز موقعها في القرن الأفريقي، سواء عبر التعاون العسكري أو مشاريع الطاقة أو النفوذ البحري.
وفي ظل تصاعد المنافسة الدولية على أفريقيا، يبدو أن الصومال أصبح أكثر من مجرد شريك أمني بالنسبة لتركيا، بل تحول إلى نقطة ارتكاز استراتيجية تجمع بين الأمن والطاقة والموقع الجغرافي.










