أنقرة – المنشر_الاخباري
حملت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى تركيا رسائل سياسية واقتصادية تتجاوز حدود الاتفاقيات المعلنة، بعدما شهدت العاصمة التركية توقيع خمس مذكرات تفاهم بين البلدين، في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة ترتيب للتحالفات ومسارات الطاقة والتجارة.
وخلال اللقاء الذي جمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء العراقي، ركز الجانبان على ملفات استراتيجية أبرزها مشروع طريق التنمية، التعاون في مجال النقل، والطاقة، وتوسيع العلاقات الاقتصادية بين بغداد وأنقرة.
لكن خلف مشهد الاتفاقيات، برزت لحظة توتر خلال مراسم التوقيع، بعدما أثار وزير النقل العراقي وهب الحسني جدلا دبلوماسيا عقب تصريح قال فيه إنه نقل اعتراضه إلى رئيس الوزراء العراقي بشأن أحد الملفات المرتبطة بالمشروعات المشتركة.
وبحسب تحليلات عراقية، فإن خلفية الوزير السياسية وعلاقاته السابقة داخل مؤسسات مرتبطة بفصائل موالية لإيران أثارت تساؤلات حول حجم تأثير القوى الإقليمية على القرارات العراقية، خصوصا مع تصاعد التنافس على مستقبل العراق الاقتصادي والجيوسياسي.
طريق التنمية.. مشروع يغيّر موازين التجارة والطاقة
يأتي في مقدمة الاتفاقيات مشروع طريق التنمية الذي تسعى تركيا والعراق إلى تحويله إلى ممر استراتيجي يربط الخليج بأوروبا عبر الأراضي العراقية والتركية.
ويرى مراقبون أن نجاح المشروع قد يمنح بغداد وأنقرة نفوذا اقتصاديا جديدا، كما قد يقلل من أهمية بعض طرق الطاقة التقليدية التي تعتمد عليها المنطقة، خصوصا في ظل الأزمات المتكررة التي تهدد خطوط الإمداد.
كما تتضمن الاتفاقيات التعاون في تطوير البنية التحتية للنقل مقابل استثمارات وموارد طبيعية، وهو نموذج قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية بين البلدين.
صفقة نفط ضخمة.. تركيا تدخل بقوة إلى حقول كركوك
وفي قطاع الطاقة، أعلن أردوغان تطورات وصفها مراقبون بأنها من أكبر الاتفاقيات النفطية الثنائية بين تركيا والعراق، بعد دخول شركة النفط التركية الحكومية TPAO كشريك في بعض حقول كركوك النفطية.
كما كشف أردوغان أن العراق عرض تزويد تركيا بما يصل إلى مليون برميل نفط يوميا لتلبية احتياجاتها، في خطوة تعزز موقع العراق كمورد رئيسي للطاقة بالنسبة لأنقرة.
وتشارك تركيا بموجب الاتفاق في عدد من الحقول المهمة في كركوك، بينها حقول بابا وعوانة وباي حسن وجمبور وخباز، وهي مناطق تعد من أكثر مناطق العراق أهمية في قطاع الإنتاج النفطي.
صراع النفوذ الإقليمي.. إيران تراقب التحولات
ويرى محللون أن الاتفاقيات الجديدة لا تحمل طابعا اقتصاديا فقط، بل ترتبط أيضا بالتوازنات السياسية في المنطقة.
فزيادة التعاون بين الحكومة العراقية المركزية وتركيا، إضافة إلى تعزيز العلاقات مع إقليم كردستان العراق، قد تشكل تحديا أمام النفوذ الإيراني التقليدي داخل العراق.
كما أن تطوير طرق بديلة للطاقة والتجارة قد يقلل من أهمية بعض نقاط الاختناق الجيوسياسية التي طالما شكلت ورقة ضغط إقليمية.
هل تتحول تركيا إلى مركز طاقة إقليمي؟
رغم أهمية اتفاق النفط، يشير خبراء إلى أن الاتفاق الحالي لا يمثل بشكل مباشر اتفاق عبور للطاقة، ولا يعني فورا تحول تركيا إلى مركز عالمي لنقل النفط العراقي، لكنه يعكس اتجاها واضحا نحو تعزيز دورها كمحور تجاري وطاقة بين الشرق والغرب.
ويشير مراقبون إلى أن خط كركوك–جيهان يمتلك قدرات كبيرة قابلة للتوسع، ما يجعله عنصرا مهما في أي إعادة رسم مستقبلية لخريطة نقل النفط في المنطقة.
أنقرة تبعث رسالة استراتيجية
الأحداث التي شهدتها أنقرة لا يمكن قراءتها كاتفاقيات اقتصادية فقط، بل كجزء من منافسة أوسع على شكل الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة.
فبينما تسعى تركيا لترسيخ موقعها كممر تجاري وطاقة، يحاول العراق استعادة دوره الإقليمي عبر الاستثمار والبنية التحتية، في وقت تراقب فيه القوى الإقليمية والدولية هذه التحولات التي قد تحدد موازين النفوذ خلال السنوات القادمة.










