في المشهد المأساوي الذي أعقب الزلزال المدمر الذي ضرب غرب كولومبيا وبلغت قوته 7.4 درجة على مقياس ريختر، لقي ما لا يقل عن 132 شخصا حتفهم، بينما تحولت آلاف المباني والمنشآت الحيوية في مدن كالي، ومانيزاليس، وبيريرا إلى أكوام من الركام والأنقاض.
وبينما تبذل فرق الإنقاذ جهودا مضنية للبحث عن ناجين أحياء تحت الأنقاض، بدأ سؤال حاسم يثير قلق الهيئات الهندسية والخبراء الدوليين: لماذا أثبت زلزال بهذا الحجم أنه مدمر ومميت إلى هذا الحد بالنسبة للبنية التحتية في البلاد؟
تؤكد التحليلات الهندسية أن الإجابة لا تكمن فقط في شدة الاهتزاز الأرضي أو الموقع الجغرافي، بل تتعدى ذلك لتكشف عن عيوب هيكلية عميقة في ممارسات التشييد والبناء السائدة في المنطقة، والتي لطالما حذرت منها دراسات علمية ومخبرية متقدمة.
الجدران الرقيقة والضعيفة: فتيل الكارثة الإنشائية
بحسب ريان هولت، المحاضر الأول في الهندسة الإنشائية وهندسة الزلازل بجامعة نيوكاسل في أستراليا، فإن الألواح والعوارض والأعمدة في المباني العادية صممت أساسا لتحمل الأحمال الرأسية. غير أن وقوع زلزال عنيف يفرض على المبنى تحديا إضافيا يتمثل في القدرة على مواجهة القوى الأفقية الهائلة الناتجة عن الحركة الزلزالية الأرضية، وهنا تبرز الدور الحاسم للجدران الخرسانية المسلحة.
لكن المشكلة الجوهرية تكمن في أن العديد من المباني السكنية والتجارية في كولومبيا تشيد بجدران خرسانية مسلحة رقيقة للغاية، لا يتجاوز سمكها في كثير من الأحيان ما بين 7 إلى 10 سنتيمترات، مدعمة بطبقة واحدة فقط من التسليح الفولاذي، والتي غالبا ما تكون على شكل شبكة معدنية ملحومة. هذا التصميم الهش يجعل هذه الجدران عرضة للتلف السريع والانهيار المفاجئ عند تعرضها لضغوط أفقية ضخمة ومستمرة ناتجة عن زلزال كبير.
علاوة على ذلك، فإن صغر سمك الجدران يفرض قيودا تقنية بالغة تحد بشكل جذري من إمكانية وضع تقوية إضافية أو تسليح إضافي عند حوافها، وهو التدبير الهندسي الذي كان يمكن أن يساهم بفاعلية في منع الخرسانة من التكسر السريع. وببساطة شديدة، فإن الجدار شديد الرقة وغير المدعم هندسيا بشكل كاف يفقد بسرعة مذهلة قدرته الميكانيكية على تثبيت هيكل المبنى عندما تبدأ الأرض في التمايل والعنف.
تجارب مخبرية حاسمة تؤكد هشاشة الهياكل
لم تكن هذه الاستنتاجات مجرد نظريات أكاديمية مجردة، بل استندت إلى أبحاث واختبارات عملية دقيقة. فقد أجرى ريان هولت وفريقه البحثي -بالتعاون مع أكاديميين من ثلاث جامعات كولومبية بارزة- اختبارات واسعة النطاق في مختبر هندسة الزلازل والديناميكا الهيكلية التابع للمعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان.
وقد قام الباحثون ببناء جدران خرسانية مسلحة مطابقة تماما للممارسات والمعايير المعتمدة في كولومبيا، ومن ثم أخضعوها في المختبر لظروف تحاكي تماما القوى الديناميكية لزلزال قوي. وكانت النتائج مثيرة للقلق البالغ؛ ففي الجدار المقاوم للزلازل والمصمم وفقا للأصول الهندسية السليمة، وعندما يبدأ الإجهاد الزلزالي الشديد، تتشكل بطريقة مثالية شقوق دقيقة ومتعددة عند القاعدة، مما يتيح توزيع القوى بشكل متوازن مع احتفاظ العنصر الإنشائي بجزء كبير من قوته.
أما في حالة التعزيز غير الكاف والجدران الرقيقة، فإن الوضع يختلف كليا؛ إذ يتشكل صدع رئيسي وكبير يتركز فيه الإجهاد بصورة خطيرة في نقطة واحدة فقط. وعندها، ينكسر الفولاذ العاري ويفقد الجدار قدرته الاحتمالية بشكل فجائي، مسببا انهيارا تسلسليا لكامل الطوابق. وكانت النتيجة الأكثر صدمة في التجارب هي أن زيادة كمية الفولاذ وحدها لا تجدي نفعا، طالما ظلت الجدران رقيقة للغاية وعاجزة عن تحمل الحركات الزلزالية القوية.
مؤشرات سابقة ومخاطر إقليمية أوسع
لم تكن هذه المخاطر الخفية غائبة عن الأنظار قبل وقوع الكارثة؛ فقد أظهر مسح ميداني شامل أجري عام 2018 على تسع عينات مبان في مدينة كالي -إحدى المدن الأكثر تضررا في الزلزال الحالي- أن نحو 90% من تلك المباني احتوت على جدران ذات طبقة تسليح واحدة فقط، بينما بلغت نسبة المباني التي تمتلك جدرانا بسمك 10 سنتيمترات أو أقل نحو 30%. وهذه المؤشرات الرقمية دقت ناقوس الخطر مبكرا.
ولا تقتصر هذه الممارسات الإنشائية المحفوفة بالمخاطر على دولة كولومبيا وحدها، بل أشار الخبراء إلى رصد أساليب بناء شبيهة في العديد من دول أمريكا اللاتينية الأخرى، مما يجعل كارثة كولومبيا بمثابة جرس إنذار مدو ومبكر لمناطق جغرافية واسعة تتسم بالنشاط الزلزالي العالي، وتستدعي مراجعة شاملة وعاجلة للأكواد الهندسية ومعايير السلامة الإنشائية.
تفاصيل الزلزال والجهود الإنسانية المستمرة
يذكر أن الزلزال العنيف بلغت قوته 7.4 درجة على مقياس ريختر، وضرب بالقرب من منطقة “سان خوسيه ديل بالمار” في مقاطعة تشوكو، على عمق بؤري بلغ نحو 110 كيلومترات وفقا لبيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية. وارتبط هذا النشاط الزلزالي بإزاحة أفقية لقشرة الأرض.
وجاءت هذه المحنة لتفاقم القلق الإقليمي، لا سيما بعد أسابيع قليلة من هزات أرضية كبيرة ضربت فنزويلا المجاورة، رغم استبعاد العلماء لوجود رابط مباشر مؤكد حاليا بين النشاطين سوى احتمالية انتقال الضغوط بين الصدوع النشطة.
وفي خضم هذه المأساة، توالت ردود الفعل الإنسانية المتعاطفة محليا ودوليا، حيث عبرت النجمة الكولومبية العالمية شاكيرا عن صدمتها البالغة قائلة: “أشعر بتعاطف كبير مع العائلات التي تمر بتلك اللحظات المؤلمة”.
وفي الأثناء، تواصل فرق الإنقاذ المدني سباقها مع الزمن للبحث عن ناجين محتملين تحت الأنقاض، وسط ترجيحات بارتفاع أعداد الضحايا.
وتؤكد المأساة الكولومبية حقيقة هندسية قاسية مفادها أن قوة الزلازل وحدها لا تصنع الكوارث، بل إن ضعف البنية التحتية وهشاشة الجدران الإنشائية هما اللذان يحولان الهزات الأرضية إلى كوارث إنسانية مدمرة تتطلب تدخلا تشريعيا وهندسيا عاجلا على مستوى القارة.








