شهدت العلاقات الدولية مؤخراً تساؤلات واسعة طرحتها تقارير بحثية صادرة عن مؤسسات مرموقة مثل كلية لندن للاقتصاد، حول إمكانية أن تحولت مجموعة “البريكس” إلى مظلة لدفع عجلة التعاون بين مصر وإثيوبيا، والمساهمة بالتالي في تخفيف حدة التوترات التاريخية العميقة القائمة بينهما بشأن ملفات مياه النيل والقرن الأفريقي.
مفارقة التعاون الدولي والخلافات الإقليمية
منذ انضمام مصر وإثيوبيا، رسمياً إلى مجموعة البريكس في مطلع عام 2024، تطلع المراقبون إلى أن تمثل هذه العضوية المشتركة بداية فصل جديد في العلاقات بين أبرز قوتين في القارة الأفريقية.
ورغم الترحيب الرسمي بانضمام مصر وإثيوبيا كاعتراف بتنامي دور الجنوب العالمي، إلا أن الخلافات الجوهرية لا تزال تحكم المشهد، ولا سيما المتعلقة باستخدامات مياه النيل، وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، إلى جانب التنافس المحتدم على النفوذ في منطقة القرن الأفريقي.
ومع ذلك، يُظهر الواقع السياسي أن الدول يمكن أن تسعى لتحقيق أهداف متنوعة عبر ساحات مختلفة، فتعاون القاهرة وأديس أبابا في المحافل الدولية لإصلاح الحوكمة العالمية وتعزيز المصالح الاقتصادية المشتركة لا يعني بالضرورة زوال نزاعاتهما الإقليمية.
لماذا تكتسب مجموعة البريكس أهمية استراتيجية؟
تطورت مجموعة البريكس لتتجاوز أعضاءها المؤسسين من خلال انضمام دول وازنة مثل مصر وإثيوبيا وإيران والإمارات وإندونيسيا، لتصبح منصة رئيسية تسعى من خلالها الاقتصادات الناشئة إلى تحقيق إصلاحات هيكلية في النظام الدولي.
وتواجه مصر وإثيوبيا تحديات اقتصادية ملحة تتمثل في الحاجة الملحة للاستثمار، وتمويل البنية التحتية، وتنويع التجارة والوصول إلى أسواق جديدة بعيداً عن الهيمنة الغربية التقليدية.
وتوفر البريكس هذه الحوافز دون أن تتدخل بشكل مباشر في محو النزاعات الثنائية القائمة خارج نطاق المنظمة.
النيل والقرن الأفريقي: جذور الأزمة
يمثل نهر النيل بالنسبة لمصر مورداً وجودياً لا غنى عنه لحياة الملايين، بينما تنظر إثيوبيا إلى سد النهضة بوصفه أداة حيوية لتوليد الكهرباء وتحقيق التنمية والتصنيع.
ولا يقتصر التنافس بين مصر وإثيوبيا، على الحصص المائية، بل يمتد إلى الأبعاد التاريخية والهوية الوطنية ومفاهيم القيادة الإقليمية.
وقد تجسد هذا التنافس الجيوسياسي بوضوح في توقيع إثيوبيا مذكرة تفاهم مع أرض الصومال للحصول على منفذ بحري، وهو ما قوبل بقلق مصري بالغ تُرجم إلى تعزيز التعاون الأمني مع مقديشو، مما أدى إلى تشابك أزمة النيل مع صراعات الأمن الإقليمي واستقرار القرن الأفريقي.
آفاق التعاون في ظل تعدد الأقطاب
تشير التحليلات السياسية إلى أن فهم العلاقات بين البلدين يتطلب تجاوز النظرة التقليدية الضيقة، والاعتراف بما يُعرف بـ “المطالب الاجتماعية” والفهم الذاتي للدولة، حيث تسعى إثيوبيا لتلبية احتياجات شعوبها التنموية، بينما تسعى مصر لحماية أمنها القومي المائي. ورغم ذلك، تظل مساحة التعاون واسعة داخل البريكس في القضايا ذات الاهتمام المشترك كتمويل التنمية والتمثيل العادل، تماماً مثل حالة التنافس المستمر والتعاون المشترك بين الصين والهند داخل التكتل نفسِه.
وفي النهاية، فإن الرهان على قدرة البريكس على حل النزاعات الإقليمية يعد أمراً غير واقعي، غير أن التكتل ينجح في توفير بيئة تفاعلية تدير الخلافات وتضمن بقاء المنافسة تحت السيطرة، وهو ما يحدد ليس فقط مستقبل العلاقات الثنائية، بل ومستقبل دور البريكس كصوت مؤثر للجنوب العالمي.











