تقرير يستعرض محطات بارزة في المواجهة الأمريكية الإيرانية منذ مجاعة 1918 وانقلاب 1953، مروراً بدعم العراق وإسقاط الطائرة الإيرانية والعقوبات واغتيال قاسم سليماني، وصولاً إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية عام 2026، في وقت تطالب فيه طهران بتعويضات عن الأضرار التي لحقت بها.
واشنطن- المنشر_الاخباري
في خضم تصاعد المطالب الأمريكية بتعويضات من إيران عن الأضرار التي لحقت بالمصالح والأصول الأمريكية، يسلط تقرير نشرته قناة «برس تي في» الإيرانية الضوء على سجل طويل من المواجهات والتدخلات والعقوبات والإجراءات العسكرية الأمريكية ضد إيران، معتبراً أن حجم الأضرار التي تعرضت لها طهران على مدى عقود يفوق، وفق الرواية الإيرانية، أي مطالبات أمريكية بالتعويض.
ويستعرض التقرير سلسلة من الأحداث التي يرى أنها شكلت مساراً متواصلاً من العداء الأمريكي تجاه إيران، بدءاً من أزمة المجاعة التي ضربت البلاد خلال عام 1918، مروراً بانقلاب عام 1953 ضد حكومة رئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق، وصولاً إلى العقوبات الاقتصادية والحروب والعمليات العسكرية والاغتيالات.
المجاعة عام 1918
يعود التقرير إلى عام 1918، عندما تعرضت إيران لمجاعة وأوبئة واسعة خلال الحرب العالمية الأولى، في وقت كانت أجزاء من البلاد خاضعة لاحتلال قوات أجنبية.
ويشير التقرير إلى تقديرات تاريخية تضع عدد الوفيات الناجمة عن المجاعة عند نحو مليوني شخص، من إجمالي عدد سكان كان يقدر آنذاك بنحو عشرة ملايين نسمة.
وبحسب التقرير، طلبت الحكومة الإيرانية آنذاك قرضاً من الولايات المتحدة لتمويل جهود الإغاثة، إلا أن واشنطن رفضت الطلب، بينما استغلت القوات البريطانية ضعف إيران ووسعت نفوذها داخل البلاد.
انقلاب 1953 وإسقاط حكومة مصدق
ويضع التقرير انقلاب أغسطس/آب 1953 في مقدمة محطات التدخل الأمريكي المباشر في إيران، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة وبريطانيا لعبتا دوراً أساسياً في إسقاط حكومة رئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق وإعادة الشاه محمد رضا بهلوي إلى السلطة.
ويستند التقرير إلى وثائق استخباراتية أمريكية رفعت عنها السرية، للقول إن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «CIA» تعاونت مع جهاز الاستخبارات البريطاني «MI6» في تمويل عمليات سياسية ودعائية وتحركات أدت إلى إسقاط حكومة مصدق.
ويعتبر التقرير أن الانقلاب أنهى مرحلة من الحياة الدستورية الإيرانية ومهد لتعزيز الحكم الملكي، الأمر الذي ترك آثاراً عميقة على نظرة الإيرانيين إلى الولايات المتحدة.
دعم جهاز السافاك
بعد الانقلاب، يشير التقرير إلى أن عناصر من وكالة الاستخبارات المركزية ساعدوا في تدريب وتنظيم جهاز الأمن والاستخبارات الإيراني «السافاك»، الذي أصبح لاحقاً أحد أبرز أدوات القمع السياسي في عهد الشاه.
ويتهم التقرير الجهاز بممارسة الاعتقال والتعذيب وملاحقة المعارضين، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة واصلت دعم نظام الشاه رغم معرفتها بالانتهاكات الحقوقية التي كانت تحدث داخل إيران.
كما يلفت إلى أن واشنطن قدمت خلال الستينيات والسبعينيات دعماً عسكرياً واستخباراتياً وسياسياً واسعاً للشاه، بما في ذلك صفقات أسلحة وتدريب عسكري وتعاون استخباراتي.
تجميد الأصول والعقوبات
بعد الثورة الإيرانية عام 1979، اتخذت إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر قراراً بتجميد أصول إيرانية في الولايات المتحدة، ويقدر التقرير قيمة الأصول التي جرى تجميدها آنذاك بنحو 8 مليارات دولار.
وتحولت الإجراءات لاحقاً إلى منظومة واسعة من العقوبات والقيود المالية والتجارية، توسعت عبر إدارات أمريكية متعاقبة.
ويشير التقرير إلى أن تقديرات الأصول الإيرانية المجمدة أو المقيدة عالمياً وصلت في السنوات اللاحقة إلى عشرات المليارات من الدولارات، بما في ذلك أموال في كوريا الجنوبية واليابان والصين والعراق ودول أوروبية.
عملية «مخلب النسر»
وفي أبريل/نيسان 1980، نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية داخل الأراضي الإيرانية بهدف إنقاذ الرهائن الأمريكيين المحتجزين في طهران.
وانتهت العملية بالفشل في صحراء طبس، بعد تعرض القوة الأمريكية لحادث أدى إلى تدمير عدد من الطائرات والمروحيات ومقتل عسكريين أمريكيين.
ويصف التقرير العملية بأنها تدخل عسكري أمريكي داخل الأراضي الإيرانية من دون موافقة الحكومة الإيرانية.
الدعم الأمريكي للعراق خلال الحرب الإيرانية العراقية
ويخصص التقرير مساحة واسعة للحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، متهماً الولايات المتحدة بتقديم دعم عسكري واستخباراتي وسياسي واسع لنظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
ويشير إلى أن الدعم الأمريكي شمل معلومات استخباراتية وصوراً للأقمار الصناعية ومعلومات عن تحركات القوات الإيرانية، إلى جانب مساعدات اقتصادية وتقنيات ذات استخدام مزدوج.
كما يتهم التقرير واشنطن بمعرفة استخدام العراق للأسلحة الكيميائية ضد القوات والمدنيين الإيرانيين، مع الاستمرار في دعم بغداد خلال الحرب.
ويذكر أن مدينة سردشت الإيرانية تعرضت لقصف بالأسلحة الكيميائية، ما أدى إلى مقتل وإصابة آلاف الأشخاص، ولا يزال الناجون يعانون آثار الهجوم حتى اليوم.
المواجهة البحرية في الخليج
بين عامي 1987 و1988، تصاعدت المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية في الخليج الفارسي.
ويستعرض التقرير سلسلة من العمليات الأمريكية ضد أهداف إيرانية، بينها مهاجمة منصات نفطية إيرانية عام 1987، ثم عملية «فرس النبي» في أبريل/نيسان 1988، التي استهدفت منصات ومنشآت وسفناً إيرانية.
ويشير التقرير إلى أن محكمة العدل الدولية خلصت في عام 2003 إلى أن الولايات المتحدة لم تثبت أن هجماتها على المنشآت النفطية الإيرانية كانت إجراءات ضرورية ومتناسبة للدفاع عن النفس.
إسقاط الطائرة الإيرانية ومقتل 290 شخصاً
ومن أبرز الأحداث التي يتناولها التقرير إسقاط طائرة «إيران إير» الرحلة 655 في 3 يوليو/تموز 1988 بواسطة الطراد الأمريكي «يو إس إس فينسينس».
وقتل في الحادث جميع الأشخاص الذين كانوا على متن الطائرة وعددهم 290 شخصاً، بينهم 66 طفلاً.
وقالت الولايات المتحدة آنذاك إن الطراد أخطأ في تحديد الطائرة المدنية واعتقد أنها مقاتلة إيرانية، بينما ظلت الحادثة من أكثر الملفات حساسية في تاريخ العلاقات بين البلدين.
وانتهت القضية أمام محكمة العدل الدولية باتفاق دفعَت بموجبه الولايات المتحدة نحو 61.8 مليون دولار لأسر الضحايا، من دون إقرار رسمي بالمسؤولية القانونية.
تصاعد العقوبات الاقتصادية
يستعرض التقرير كذلك سلسلة العقوبات التي فرضتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ ثمانينيات القرن الماضي، والتي شملت التجارة والاستثمار والنفط والمصارف والشحن والتأمين والمؤسسات المالية.
وتصاعدت هذه الإجراءات بشكل كبير خلال إدارة الرئيس باراك أوباما، ثم بلغت مستويات أشد بعد انسحاب الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018 وإعادة فرض سياسة «الضغط الأقصى».
ويقول التقرير إن العقوبات أثرت على قدرة إيران على الوصول إلى النظام المالي الدولي، كما يوجه انتقادات إلى تأثيراتها الإنسانية، خصوصاً على استيراد الأدوية والمستلزمات الطبية والمواد الأساسية.
اتهامات بالتدخل السياسي والحرب السيبرانية
ويتهم التقرير الولايات المتحدة أيضاً بدعم مبادرات سياسية ومنظمات معارضة للحكومة الإيرانية، خصوصاً منذ بداية الألفية الجديدة.
كما يتناول هجمات إلكترونية استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، وعلى رأسها برنامج «ستوكسنت» الذي استهدف أجهزة الطرد المركزي في منشأة نطنز.
ويربط التقرير العملية ببرنامج أمريكي إسرائيلي سري، مشيراً إلى أن الهجوم شكل نموذجاً متقدماً من الحرب السيبرانية ضد البنية التحتية الإيرانية.
اغتيال قاسم سليماني
وفي 3 يناير/كانون الثاني 2020، نفذت الولايات المتحدة ضربة بطائرة مسيرة قرب مطار بغداد أسفرت عن اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني اللواء قاسم سليماني، إلى جانب نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس وعدد من مرافقيهما.
ويشير التقرير إلى أن المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء اعتبرت العملية غير قانونية، وقالت إن الولايات المتحدة لم تقدم أدلة كافية على وجود تهديد وشيك يبرر الضربة.
الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عام 2026
ويضع التقرير الحرب التي بدأت في 28 فبراير/شباط 2026 ضمن أحدث حلقات المواجهة بين واشنطن وطهران.
وبحسب الرواية الإيرانية الواردة في التقرير، استهدفت الضربات الأمريكية والإسرائيلية مواقع عسكرية ومنشآت نووية ومبانٍ مدنية وبنية تحتية داخل إيران، وأسفرت عن سقوط عدد كبير من الضحايا والأضرار.
ويقول التقرير إن العملية لم تحصل على تفويض من مجلس الأمن الدولي، وإن إيران لم تكن قد نفذت هجوماً مسلحاً على الولايات المتحدة يبرر، وفقاً للقانون الدولي، هذا الحجم من العمل العسكري.
هجوم مدرسة ميناب
ويتطرق التقرير إلى الهجوم الذي استهدف مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب خلال اليوم الأول من الحرب، قائلاً إن 168 من التلاميذ والمعلمين قتلوا.
ويؤكد التقرير أن تحقيقات عدة حملت القوات الأمريكية مسؤولية الهجوم، بينما قال ترامب لاحقاً إنه قد لا يتم تحديد الجهة المسؤولة عنه بشكل قاطع.
استهداف البنية التحتية والحصار البحري
وبحسب التقرير، توسعت الهجمات خلال الحرب لتشمل جسوراً وأنفاقاً ومنشآت اتصالات ومرافق مياه ومحطات تحلية وبنوكاً ومنشآت كهرباء وموانئ، إضافة إلى مستشفيات وسيارات إسعاف.
كما يشير إلى إعلان الولايات المتحدة في أبريل/نيسان 2026 فرض حصار بحري على حركة الملاحة من وإلى الموانئ الإيرانية.
وتقول طهران إن الحصار يمثل انتهاكاً لسيادتها وسلامة أراضيها وخرقاً للمادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن كونه تدخلاً غير مشروع في التجارة البحرية الدولية.
ملف التعويضات أمام المحاكم الدولية
ويستند التقرير كذلك إلى قضايا رفعتها إيران أمام محكمة العدل الدولية، مشيراً إلى أن المحكمة أصدرت أحكاماً وجدت فيها أن الولايات المتحدة انتهكت التزامات تعاهدية في قضايا تتعلق بالأصول والممتلكات الإيرانية.
وفي قضية «بعض الأصول الإيرانية»، خلصت المحكمة في حكمها الصادر عام 2023 إلى وقوع انتهاكات أمريكية لعدد من أحكام معاهدة الصداقة الموقعة عام 1955، وأكدت التزام الولايات المتحدة بتعويض إيران عن الأضرار الناتجة عن تلك الانتهاكات.
ويشير التقرير إلى أن مرحلة تحديد قيمة التعويضات لا تزال مستمرة، مع تحديد 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 موعداً لتقديم إيران مذكرتها بشأن التعويضات.
ويخلص التقرير إلى أن طهران ترى أن سجل العقوبات والتدخلات والعمليات العسكرية والاغتيالات ومصادرة الأصول، وصولاً إلى الحرب الأخيرة، يشكل أساساً لمطالبة إيران الولايات المتحدة بدفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بها على مدى عقود.










