عقوبات أمريكية جديدة تطال رئيسة المحكمة ومسؤولًا قضائيًا بارزًا وسط تصعيد متواصل ضد المؤسسة على خلفية ملفات إسرائيل والولايات المتحدة
واشنطن- المنشر_الاخباري
صعّدت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مواجهتها مع المحكمة الجنائية الدولية، بعدما أعلنت واشنطن فرض عقوبات جديدة على رئيسة المحكمة اليابانية توموكو أكاني، وعلى المحامي السنغالي البارز عبد الله سي، في خطوة جديدة ضمن حملة أمريكية واسعة تقول الإدارة إنها تستهدف الحد من قدرة المحكمة على ملاحقة مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين.
وأعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الثلاثاء 18 أغسطس/آب 2026، العقوبات بحق المسؤولين، متهمًا إياهما بالمشاركة بصورة مباشرة في جهود المحكمة للتحقيق مع أو اعتقال أو احتجاز أو محاكمة مسؤولين من دول لم توافق حكوماتها على اختصاص المحكمة.
وتشمل العقوبات تجميد أي أصول للمستهدفين تقع داخل الولايات المتحدة أو تحت سيطرة أشخاص أمريكيين، إضافة إلى تقييد وصولهما إلى النظام المالي الأمريكي. كما أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصًا عامًا يسمح بإنهاء بعض المعاملات المتعلقة بهما حتى 17 سبتمبر/أيلول المقبل.
وتأتي الخطوة في وقت تتجه فيه المواجهة بين واشنطن والمحكمة الجنائية الدولية إلى مستويات غير مسبوقة، بعدما أعلنت إدارة ترامب أنها تعمل على تقويض نفوذ المحكمة والحد من قدرتها على العمل واستهداف مواطنين أمريكيين أو مسؤولين في دول حليفة للولايات المتحدة.
وقال روبيو إن الإدارة الأمريكية لن تتسامح مع ما تعتبره تجاوزًا لسيادة الدول، وكرر موقف واشنطن بأن المحكمة تجاوزت صلاحياتها عندما سعت إلى التحقيق أو الملاحقة القضائية لمسؤولين من دول غير أعضاء فيها.
عقوبات في قلب مواجهة سياسية وقانونية
لا تنظر إدارة ترامب إلى العقوبات الجديدة باعتبارها إجراءً منفصلًا، وإنما تأتي ضمن سلسلة من العقوبات والإجراءات التي اتخذتها واشنطن ضد قضاة ومدعين ومسؤولين في المحكمة خلال الفترة الماضية.
وتقول الإدارة الأمريكية إن المحكمة أصبحت مؤسسة “مسيسة” تتجاوز التفويض الممنوح لها، خصوصًا من خلال التحقيقات المتعلقة بالولايات المتحدة وإسرائيل.
في المقابل، تؤكد المحكمة الجنائية الدولية أن عملها يستند إلى نظام روما الأساسي، وأن عدم عضوية دولة في المحكمة لا يعني بالضرورة عدم وجود اختصاص للمحكمة في كل قضية، إذ يتيح النظام الأساسي للمحكمة ممارسة اختصاصها في ظروف معينة، بما في ذلك الجرائم التي تقع على أراضي دول أعضاء.
وتُعد الولايات المتحدة وإسرائيل من أبرز الدول التي لا تعترف باختصاص المحكمة، فيما ترفض واشنطن بصورة خاصة أي إجراءات قد تستهدف أفرادًا في الجيش أو الحكومة الأمريكية.
غزة ونتنياهو في قلب الخلاف
برزت القضية الإسرائيلية بوصفها أحد أهم أسباب التصعيد الأمريكي ضد المحكمة، خصوصًا بعد إصدار المحكمة في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت.
وجاءت المذكرات على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال الحرب في قطاع غزة، وهي اتهامات ترفضها إسرائيل والولايات المتحدة.
وكانت إدارة ترامب قد فرضت في وقت سابق عقوبات على المدعي العام للمحكمة كريم خان، كما استهدفت لاحقًا عددًا من القضاة المرتبطين بالملف الإسرائيلي. وتقول واشنطن إن هذه الإجراءات ضرورية لمنع المحكمة من استخدام صلاحياتها ضد مسؤولين في الولايات المتحدة وإسرائيل.
وتشير تقارير إلى أن المسؤول السنغالي المستهدف بالعقوبات الجديدة، عبد الله سي، كان منخرطًا في ملفات تحقيق مرتبطة بإسرائيل، بما في ذلك قضايا تتعلق بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وتوزيع الأسلحة على مستوطنين، ما يزيد حساسية العقوبات الجديدة.
واشنطن توسع نطاق المواجهة
لم تكتف إدارة ترامب باستهداف مسؤولي المحكمة، بل تحاول أيضًا دفع دول أخرى إلى تقليص تعاونها مع المؤسسة أو الانسحاب منها.
وكان روبيو قد أعلن الشهر الماضي عن تكثيف الجهود الأمريكية ضد المحكمة، داعيًا الدول الأعضاء إلى الانسحاب منها، في إطار حملة دبلوماسية تهدف إلى إضعاف قدرة المحكمة على العمل.
وتقول الإدارة الأمريكية إن المحكمة تمثل تهديدًا للسيادة الأمريكية، خصوصًا إذا تمكنت من ملاحقة جنود أو مسؤولين أمريكيين بسبب عمليات عسكرية أو سياسات حكومية.
وبحسب تقارير حديثة، انضمت عدة دول بالفعل إلى مسار الانسحاب أو أعلنت خطوات في هذا الاتجاه، الأمر الذي يثير مخاوف لدى مؤيدي المحكمة من أن تتحول الضغوط السياسية والاقتصادية إلى تهديد مباشر لقدرتها على أداء مهامها.
المحكمة ترد: تهديد للقانون الدولي
في المقابل، رفضت المحكمة الجنائية الدولية العقوبات الأمريكية، معتبرة أن استهداف المسؤولين القضائيين بسبب قيامهم بمهامهم القانونية يمثل تهديدًا لاستقلال القضاء وللنظام القانوني الدولي.
وقالت المحكمة إن أعضاءها سيواصلون أداء مهامهم، محذرة من أن تهديد القضاة والمسؤولين بسبب تطبيق القانون لا يؤثر على أفراد بعينهم فحسب، وإنما يضع النظام القانوني الدولي برمته أمام خطر أكبر.
وكانت أكاني نفسها قد انتقدت في وقت سابق العقوبات الأمريكية على المحكمة، معتبرة أن الضغوط والإجراءات القسرية تستهدف استقلال المؤسسة وقدرتها على تطبيق القانون بصورة مستقلة.
كما لجأ عدد من قضاة المحكمة وجماعات حقوقية إلى القضاء الأمريكي للطعن في العقوبات والإجراءات التي اتخذتها إدارة ترامب، معتبرين أنها غير قانونية وتقوض جهود تحقيق العدالة لضحايا جرائم الحرب.
ماذا تعني العقوبات للمحكمة؟
تكتسب العقوبات الجديدة أهمية خاصة لأن المستهدفة هذه المرة هي رئيسة المحكمة نفسها، وهي القاضية اليابانية توموكو أكاني التي تتولى رئاسة المحكمة منذ عام 2024.
ولا تعني العقوبات الأمريكية عزل أكاني من منصبها أو إنهاء ولايتها داخل المحكمة، لكنها تفرض عليها قيودًا مالية مرتبطة بالولايات المتحدة وتبعث برسالة سياسية قوية إلى مسؤولي المحكمة والدول التي تتعامل معها.
كما أن استهداف مسؤول قضائي بارز آخر في الوقت نفسه يشير إلى أن واشنطن لا تزال ترى أن الإجراءات الفردية ضد مسؤولي المحكمة جزء من استراتيجية أوسع للضغط على المؤسسة بأكملها.
ويرى مؤيدو المحكمة أن استمرار هذه السياسة قد يؤدي إلى إضعاف إحدى أبرز المؤسسات الدولية المكلفة بالتحقيق في جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بينما ترى واشنطن أن المحكمة تجاوزت حدود اختصاصها وتحولت إلى أداة يمكن استخدامها ضد دول لا تقبل بولايتها.
معركة تتجاوز المحكمة
وتتجاوز المواجهة الحالية مسألة العقوبات نفسها إلى خلاف أعمق حول طبيعة القانون الدولي وحدود الاختصاص القضائي للمحاكم الدولية.
فالولايات المتحدة تتمسك بأن مواطنيها لا ينبغي أن يخضعوا لاختصاص محكمة لم تنضم إليها، بينما ترى المحكمة أن نظام روما يمنحها اختصاصًا في حالات محددة حتى عندما يكون المتهم من دولة غير عضو، خصوصًا عندما تقع الجرائم المزعومة على أراضي دولة عضو.
ومن هنا، أصبحت الحرب السياسية بين واشنطن ولاهاي مرتبطة أيضًا بمستقبل مبدأ المساءلة الدولية، ومدى قدرة المؤسسات القضائية الدولية على التحقيق في جرائم يُشتبه بارتكابها من جانب أفراد ينتمون إلى دول قوية أو غير منضمة إلى المحكمة.
ومع إعلان واشنطن استعدادها لاتخاذ إجراءات إضافية، تبدو المواجهة مرشحة لمزيد من التصعيد خلال الفترة المقبلة. فالإدارة الأمريكية تريد الحد من قدرة المحكمة على ملاحقة الأمريكيين والإسرائيليين، بينما تتمسك المحكمة باستقلالها وتؤكد أن العقوبات لن تغير مهمتها القانونية.
وبذلك، فإن استهداف توموكو أكاني وعبد الله سي لا يمثل مجرد عقوبات على شخصين، بل يشكل فصلًا جديدًا في صراع أوسع حول مستقبل المحكمة الجنائية الدولية، وحدود نفوذ الولايات المتحدة، وقدرة النظام القضائي الدولي على العمل في مواجهة ضغوط القوى الكبرى.










