طهران تعلن التوصل إلى تفاهم مع مسقط.. ومصادر تكشف خلافات حول الرسوم والألغام وآلية المرور
مسقط – المنشر_الاخباري
في تطور يعكس حجم التعقيد الذي يحيط بأزمة الملاحة في الخليج، أعلنت إيران أن مفاوضاتها مع سلطنة عُمان بشأن مضيق هرمز أحرزت تقدماً ووصلت إلى تفاهمات مقبولة، بينما أشارت مصادر مطلعة إلى أن الاتفاق لم يُحسم بصورة نهائية، وأن خلافات جوهرية ما زالت قائمة بين الطرفين.
وتضع هذه التباينات مستقبل واحد من أهم الممرات البحرية في العالم أمام سيناريوهات مفتوحة: هل باتت إعادة تشغيل حركة الملاحة عبر المضيق مسألة وقت، أم أن الخلافات السياسية والأمنية ستعيد الأزمة إلى نقطة الصفر؟
إعلان إيراني.. لكن الاتفاق لم يكتمل
قال المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، حسين محبي، إن طهران ومسقط توصلا إلى نتائج وصفها بالمقبولة للطرفين بعد مفاوضات استمرت نحو شهر، مشيراً إلى إمكانية فتح المضيق ضمن إطار التفاهم الذي جرى التوصل إليه.
لكن مصادر مطلعة على المحادثات قالت لـ”جيروزاليم بوست” إن الخلافات لا تزال قائمة، خصوصاً بشأن الرسوم التي قد تُفرض على السفن، وكذلك ملف إزالة الألغام من الممر الملاحي.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية في المشهد: طهران تتحدث عن اتفاق، بينما المعطيات المتداولة تشير إلى أن المفاوضات لا تزال مستمرة حول تفاصيل الاتفاق نفسه.
الرسوم.. عقدة تفاوضية جديدة
من أبرز نقاط الخلاف المطروحة مسألة الرسوم المفروضة على السفن التي تمر عبر المضيق.
وبحسب مصدر مطلع، ترى عُمان أن السفن لا ينبغي أن تُفرض عليها رسوم عبور، في حين تصر إيران، وفق المصدر، على أن ترتيبات المرور يجب أن تتضمن آلية مالية معينة.
ويبدو أن هذه المسألة ليست تفصيلاً تقنياً بسيطاً، إذ ترتبط مباشرة بالسؤال الأكبر: من يدير حركة الملاحة في المضيق، ومن يملك حق تنظيم الخدمات المرتبطة بالمرور؟
وتشير تقارير إلى أن الإطار الذي ناقشته طهران ومسقط يتضمن مستقبلاً آليات لإدارة حركة السفن وتبادل المعلومات وتوفير خدمات الملاحة والأمن، وهي ملفات يمكن أن تتحول إلى نقطة خلاف رئيسية إذا لم يتم الاتفاق على تفاصيلها.
الألغام.. الملف الأكثر حساسية
الخلاف الثاني يتعلق بالألغام البحرية.
كانت إيران وعُمان قد أعلنتا من قبل بحث مشروع مشترك لإزالة الألغام من المضيق، في خطوة تهدف إلى توفير ممر أكثر أمناً أمام السفن التجارية.
لكن مصادر مطلعة أشارت إلى أن مسقط لا تعتبر ملف إزالة الألغام محسومًا بالشكل الذي أعلنته طهران.
وفي المقابل، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن القوات الأميركية أزالت الألغام من المياه الدولية في المضيق، وهو إعلان لا تتفق معه طهران التي شككت في الرواية الأميركية.
وهكذا أصبح ملف الألغام جزءاً من صراع أوسع على الرواية: من يسيطر فعلياً على أمن الملاحة، ومن يملك القدرة على ضمان مرور السفن؟
ممر مؤقت.. وليس فتحاً كاملاً
المعلومات المتاحة تشير إلى أن ما يجري بحثه بين إيران وعُمان لا يعني بالضرورة عودة المضيق فوراً إلى وضعه الطبيعي السابق.
فالجانبان ناقشا إنشاء ممر ملاحي مؤقت يسمح بمرور السفن بصورة أكثر انتظاماً، على أن تستمر المفاوضات الفنية بهدف الوصول لاحقاً إلى ترتيبات دائمة لإدارة الملاحة.
وبحسب رويترز، فإن حركة السفن لا تزال أقل بكثير من مستوياتها المعتادة؛ إذ عبرت خمسة سفن تجارية فقط المضيق يوم الثلاثاء، مقابل متوسط يبلغ نحو 15 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة.
وهذا يعني أن الإعلان عن تفاهمات لا يزال بعيداً عن إعادة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية.
واشنطن تدخل على خط الأزمة
الأكثر حساسية أن أي اتفاق إيراني-عُماني بشأن المضيق لا يمكن فصله عن المواجهة الأوسع بين طهران وواشنطن.
إيران تقول إن فتح المضيق بشكل كامل مرتبط بالتزامات أميركية سابقة، بينما تواصل الولايات المتحدة ممارسة ضغوط اقتصادية على طهران.
وفي الوقت نفسه، يؤكد ترامب أن المضيق مفتوح بالفعل، ويقول إن السفن تمر عبره وإن النفط يتدفق من خلاله، في رواية تتناقض مع الأرقام التي تظهر انخفاض حركة الملاحة بصورة كبيرة.
وتكشف هذه الروايات المتضاربة أن القضية لم تعد مجرد ممر بحري، بل تحولت إلى ورقة نفوذ سياسية واقتصادية وعسكرية بين القوى المتصارعة في المنطقة.
لماذا تتمسك إيران بعُمان؟
اختيار مسقط كطرف أساسي في هذه المفاوضات ليس مفاجئاً.
فعُمان حافظت تاريخياً على قنوات اتصال مع أطراف متخاصمة، وسبق أن لعبت أدواراً في ملفات تفاوضية بين إيران والولايات المتحدة.
كما أن موقعها الجغرافي يجعلها طرفاً مباشراً في أي ترتيبات تتعلق بالمضيق.
لكن أي اتفاق يمنح طهران ومسقط دوراً أكبر في إدارة حركة المرور قد يواجه اعتراضات أميركية وإقليمية، خصوصاً إذا اعتُبر تكريساً لنفوذ إيران على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية.
المضيق.. ورقة ضغط على الاقتصاد العالمي
أهمية هرمز تتجاوز حدود إيران وعُمان.
فالمضيق كان قبل الحرب يمر عبره أكثر من خُمس شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية تقريباً، ما جعله أحد أهم نقاط الاختناق في منظومة الطاقة الدولية.
ولهذا فإن أي اضطراب طويل في حركة الملاحة ينعكس سريعاً على أسعار النفط والتأمين والشحن وسلاسل الإمداد.
وقد بدأت الأسواق بالفعل في التفاعل مع الأخبار الإيجابية القادمة من مسار التفاوض، إذ تراجعت أسعار النفط مع تزايد الآمال بإعادة فتح الممر أمام حركة الشحن.
لكن الأسواق لا تزال تتعامل مع الاتفاق باعتباره احتمالاً وليس واقعاً نهائياً.
هل اقتربت لحظة الحسم؟
المؤشرات الحالية تقول إن هناك تقدماً حقيقياً في المسار الإيراني-العُماني، لكن الطريق إلى اتفاق نهائي لا يزال مليئاً بالعقبات.
فالخلافات حول الرسوم، وإزالة الألغام، ومسارات السفن، وإدارة المضيق، إضافة إلى الموقف الأميركي، كلها ملفات يمكن أن تعرقل تنفيذ أي تفاهم مؤقت.
والأهم أن طهران تربط فتح المضيق بالكامل بتطورات أوسع تتعلق بعلاقتها مع واشنطن.
لذلك فإن السؤال لم يعد فقط: هل اتفقت إيران وعُمان؟
بل أصبح: هل تستطيع طهران ومسقط تحويل التفاهم المؤقت إلى نظام ملاحي دائم، من دون أن يتحول مضيق هرمز مجدداً إلى ساحة مواجهة بين إيران والولايات المتحدة؟
حتى الآن، الإجابة ليست محسومة.
فبين إعلان إيراني عن اتفاق، ومؤشرات على استمرار الخلافات، وتأكيد أميركي بأن المضيق مفتوح، تبقى الحقيقة على الأرض أكثر تعقيداً: الممر لم يعد إلى حركة الملاحة الطبيعية، والمفاوضات لم تصل بعد إلى خط النهاية.
وفي ظل استمرار الضغوط الأميركية وتصاعد أهمية المضيق في حسابات الطاقة العالمية، قد تكون الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان هرمز يتجه نحو تسوية تدريجية، أم نحو جولة جديدة من التصعيد.










