واشنطن- المنشر_الاخباري
أثار تقرير بحثي أميركي جديد جدلًا بشأن ما وصفه بامتداد شبكات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين داخل عدد من المؤسسات الكندية، محذرًا من أن النفوذ الذي ترصده الدراسة لا يقتصر على النشاط الديني أو المجتمعي، بل يمتد، وفق نتائجها، إلى السياسة الانتخابية والمجتمع المدني والتعليم العالي ومجالات التأثير في الرأي العام.
وأصدر «معهد دراسة معاداة السامية والسياسات العالمية» (ISGAP)، ومقره الولايات المتحدة، تقريرًا بعنوان «الاعتداء على القيم والمبادئ الديمقراطية: كيف يضعف التغلغل الإسلامي المجتمع المدني والتعليم العالي في كندا»، قال فيه إن نشاط الشبكات المتحالفة مع الإخوان في كندا يجب ألا يُفهم باعتباره مجموعة من المنظمات أو الوقائع المنفصلة، وإنما باعتباره جزءًا من استراتيجية عابرة للحدود تقوم، بحسب تقييم المعهد، على بناء النفوذ داخل المؤسسات السياسية والمجتمعية والأكاديمية.
ويأتي نشر الدراسة في وقت يتزايد فيه الجدل في الدول الغربية بشأن التمويل الأجنبي للمؤسسات التعليمية والخيرية، وحدود النشاط السياسي للجماعات الدينية، والتأثير الذي يمكن أن تمارسه شبكات عابرة للحدود على الانتخابات وصناعة السياسات.
ماذا يقول التقرير؟
يضع التقرير مفهوم «التغلغل الإسلامي» أو «Entryism» في مركز تحليله، ويقول إن بعض الشبكات التي يربطها بجماعة الإخوان المسلمين تعمل بصورة تدريجية على اكتساب الشرعية والوصول إلى المؤسسات، بدلًا من الدخول في مواجهة مباشرة معها.
وبحسب المعهد، فإن هذا النشاط يتحرك عبر عدة مسارات متداخلة، من بينها المؤسسات السياسية، والحملات الانتخابية، ومنظمات المجتمع المدني، والجمعيات الخيرية، والجامعات، إلى جانب التأثير في النقاش العام بشأن قضايا الإسلاموفوبيا وإسرائيل والحرب في غزة.
ويخلص التقرير إلى أن هذه المجالات لا تعمل، وفق رؤيته، بصورة منفصلة، وإنما يمكن أن تتقاطع من خلال شبكات من الأشخاص والمنظمات والعلاقات والتمويل.
ويقول ISGAP إن الخطر الذي يرصده لا يتعلق بالمسلمين في كندا عمومًا، وإنما بما يسميه «الإسلاموية كأيديولوجية سياسية» وبالشبكات التي يعتقد أنها تستغل الانفتاح المؤسسي في الديمقراطيات الغربية لتوسيع نفوذها.
السياسة والانتخابات.. نقطة التحول
ومن أبرز الملفات التي يتناولها التقرير النشاط السياسي والانتخابي، إذ يرى معدوه أن بعض الجماعات تمكنت من تحويل قضايا محددة إلى أدوات لحشد الناخبين والتأثير في المرشحين والأحزاب.
ويشير التقرير، على وجه الخصوص، إلى حملة «Vote Palestine» خلال الانتخابات الفيدرالية الكندية لعام 2025، مدعيًا أن الحملة حصلت على تأييد 344 مرشحًا من أربعة أحزاب سياسية.
ويقدم التقرير هذه الحملة باعتبارها مثالًا على قدرة شبكات ناشطة على تنظيم حملات انتخابية واسعة حول قضية واحدة، ولا سيما القضية الفلسطينية، ومحاولة جعلها عاملًا مؤثرًا في خيارات الناخبين في عدد من الدوائر الانتخابية.
لكن هذه النقطة تحتاج إلى قراءة دقيقة؛ فمجرد تأييد مرشح لحملة أو تبنيه موقفًا سياسيًا مؤيدًا للفلسطينيين لا يثبت تلقائيًا ارتباطه بجماعة الإخوان المسلمين.
وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط حساسية في التقرير، إذ ينتقل من رصد النشاط السياسي إلى محاولة ربط بعض هذه التحركات بشبكات أوسع يصفها بأنها مرتبطة بالإخوان.
«رابطة مسلمي كندا» في قلب التقرير
وتظهر رابطة مسلمي كندا كإحدى أبرز المؤسسات التي يركز عليها التقرير.
وتعمل الرابطة في مجالات دينية وتعليمية ومجتمعية، وتدير مساجد ومراكز مجتمعية ومدارس وبرامج تعليمية.
ويقول التقرير إنه رصد «روابط عديدة» بين الرابطة وشبكات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، ويذهب إلى أن بعض هذه العلاقات قد تكون ذات تأثير في نشاط المنظمة وتوجهاتها.
إلا أن الرابطة رفضت هذه الاتهامات بشكل قاطع.
وقالت، في رد نقلته «فوكس نيوز»، إن تقرير ISGAP يمثل، من وجهة نظرها، إعادة تدوير لاتهامات سابقة وصياغتها في قالب بحثي، واعتبرت أنه يفتقر إلى الأساس الموضوعي ويعتمد على ادعاءات وصفتها بأنها فقدت مصداقيتها.
وأكدت الرابطة أنها منظمة كندية مستقلة ولا تمثل فرعًا لجماعة الإخوان المسلمين. كما أشارت إلى أن تدقيقًا سابقًا أجرته هيئة الإيرادات الكندية لم يؤدِ إلى إلغاء وضعها الخيري.
وهذا الرد يمثل عنصرًا أساسيًا في القصة، إذ إن الاتهامات الواردة في تقرير ISGAP لا ينبغي التعامل معها باعتبارها نتائج قضائية أو اتهامات ثبتت أمام محكمة، وإنما باعتبارها نتائج واستنتاجات صادرة عن مؤسسة بحثية.
الجامعات.. الساحة الأكثر حساسية
ولا يتوقف التقرير عند السياسة والجمعيات، بل يضع الجامعات الكندية في قلب مخاوفه.
ويقول ISGAP إن التعليم العالي يمثل إحدى أهم المساحات التي يمكن من خلالها بناء النفوذ طويل الأمد، مشيرًا إلى ما يصفه بعلاقات بين جهات أكاديمية وشبكات خارجية، إضافة إلى التمويل والشراكات البحثية والأنشطة الطلابية.
ويطالب التقرير بمزيد من الشفافية بشأن التمويل الأجنبي للجامعات، والعلاقات البحثية الدولية، والشراكات الأكاديمية، والجهات التي يمكن أن يكون لها تأثير في الأبحاث أو المناهج أو البيئة الجامعية.
ويربط المعهد هذا الملف بمخاوف أوسع بشأن إمكانية استخدام التمويل الخارجي للوصول إلى المؤسسات الأكاديمية والتأثير في النقاشات السياسية والفكرية داخلها.
التمويل الأجنبي تحت المجهر
أحد المحاور الرئيسية في الدراسة هو المال.
فبحسب التقرير، فإن النفوذ المؤسسي لا يمكن فصله عن مصادر التمويل والعلاقات الخارجية، ولذلك يدعو إلى تشديد قواعد الإفصاح عن التمويل القادم من الخارج، سواء إلى الجامعات أو المؤسسات البحثية أو المنظمات غير الربحية.
ويرى المعهد أن ضعف الشفافية يمكن أن يجعل من الصعب معرفة الجهات التي تقف خلف بعض المبادرات أو الحملات أو المؤسسات، وما إذا كان التمويل مرتبطًا بأهداف سياسية أو أيديولوجية أوسع.
كما يطالب بمراجعة عدد من المؤسسات التي يرى أنها تستحق مزيدًا من التدقيق فيما يتعلق بالحوكمة ومصادر التمويل والعلاقات الخارجية.
لماذا كندا؟
بحسب التقرير، تتمتع كندا ببيئة مؤسسية مفتوحة نسبيًا تسمح للمنظمات المدنية والدينية بالمشاركة في الحياة العامة، وهو ما يعتبره المعهد عنصر قوة في الديمقراطية، لكنه يرى في الوقت نفسه أنه قد يوفر فرصًا أمام جماعات منظمة لبناء نفوذ طويل الأمد.
ويقول تشارلز آشر سمول، المدير التنفيذي للمعهد، إن القضية، بحسب تقييمه، لا تتعلق بأصوات متطرفة منفردة، وإنما بشبكات مترابطة قادرة على اكتساب الشرعية والوصول إلى المؤسسات والتأثير السياسي والاستفادة من التمويل العام.
ومن هذا المنطلق، لا يقدم التقرير القضية باعتبارها ملفًا دينيًا بحتًا، وإنما باعتبارها مسألة تتعلق بالأمن المؤسسي والتأثير السياسي والتمويل الأجنبي.
من كندا إلى الولايات المتحدة
ويحذر التقرير من أن ما يحدث في كندا، إذا صحت نتائجه، لا يظل بالضرورة داخل حدودها.
ويرى معدوه أن الشبكات السياسية والأيديولوجية الحديثة تتحرك عبر الحدود، وأن بناء نفوذ داخل دولة غربية يمكن أن يوفر لاحقًا علاقات وموارد وشراكات يمكن استخدامها في دول أخرى.
ولهذا السبب، يعتبر المعهد أن الملف الكندي يحمل أهمية بالنسبة للولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى.
وتتزامن هذه المخاوف مع نقاش متزايد في واشنطن والعواصم الغربية حول التمويل الأجنبي للجامعات والمنظمات غير الربحية، والتدخلات الخارجية، والنشاط السياسي للجماعات الدينية والأيديولوجية.
أين تقف الحكومة الكندية؟
رغم اللهجة القوية التي يستخدمها التقرير، فإنه لا يمثل تحقيقًا حكوميًا كنديًا.
كما أن المادة المنشورة حول الدراسة لم تتضمن إعلانًا من الحكومة الكندية بتبني جميع نتائجها.
وبحسب «فوكس نيوز»، لم ترد السفارة الكندية في واشنطن على طلب للتعليق على ما ورد في التقرير وقت نشر المادة.
وهذه النقطة مهمة عند التعامل مع نتائج الدراسة؛ فهناك فرق بين تقرير بحثي يحدد شبكات وروابط ويقدم استنتاجات بشأنها، وبين تحقيق رسمي تجريه أجهزة الدولة وينتهي إلى إثبات مخالفات أو مسؤوليات قانونية.
جدل مفتوح بين التحذير والاتهام
يضع التقرير كندا أمام معادلة سياسية وأمنية شديدة الحساسية.
فمن جهة، يطالب ISGAP بتشديد الرقابة على التمويل الأجنبي والعلاقات المؤسسية، ويعتبر أن بعض الشبكات المرتبطة بالإخوان نجحت في بناء نفوذ يتجاوز النشاط المجتمعي التقليدي.
ومن جهة أخرى، ترفض منظمات وردت في التقرير هذه الاستنتاجات، وتحذر من أن استخدام مصطلحات مثل «التغلغل الإسلامي» و«الإخوان المسلمين» بصورة واسعة قد يؤدي إلى الخلط بين النشاط الديني والمدني المشروع وبين النشاط السياسي أو الأيديولوجي الذي يستوجب الرقابة.
وتزداد حساسية الملف في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب في غزة، وارتفاع النشاط السياسي المؤيد للفلسطينيين في الجامعات والشوارع، وتحول القضية الفلسطينية إلى ملف انتخابي مؤثر في العديد من الدول الغربية.
ما الذي يثبت وما الذي يبقى محل خلاف؟
الخلاصة الأهم في التقرير ليست أن «الإخوان سيطروا على المؤسسات الكندية»، كما قد توحي بعض العناوين المثيرة، وإنما أن معهدًا بحثيًا أميركيًا يقول إنه حدد شبكة من العلاقات والنشاطات يعتقد أنها تشير إلى توسع نفوذ جماعات مرتبطة بالإخوان داخل قطاعات كندية مختلفة.
أما إثبات وجود قيادة مركزية أو تنسيق تنظيمي مباشر بين جميع الجهات التي يربطها التقرير بهذه الشبكات، فهي مسألة أكثر تعقيدًا وتحتاج إلى أدلة مستقلة لكل حالة.
كما أن وجود نشاط سياسي مؤيد للقضية الفلسطينية أو وجود علاقات أكاديمية أو تمويل أجنبي لا يشكل بمفرده دليلًا على الارتباط بجماعة الإخوان المسلمين.
ولهذا، فإن أهمية التقرير تكمن في أنه يفتح ملفًا حساسًا حول التمويل الأجنبي، والنفوذ السياسي، ودور الجمعيات الدينية، والجامعات، وشبكات الحشد الانتخابي في الديمقراطيات الغربية، لكنه في الوقت نفسه يفرض ضرورة التمييز بين ما يثبت بالوثائق والتحقيقات الرسمية وبين ما يقدمه معدوه باعتباره تحليلًا واستنتاجًا.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل تمكنت بالفعل شبكات مرتبطة بالإخوان المسلمين من بناء نفوذ منظم داخل مؤسسات الدولة والمجتمع الكندي، أم أن التقرير جمع روابط ونشاطات متفرقة داخل إطار تحليلي واحد؟
الإجابة لن تُحسم بالتقرير وحده، وإنما تتطلب تحقيقات مستقلة وشفافة تتناول التمويل، والحوكمة، والعلاقات التنظيمية، والنشاط السياسي لكل مؤسسة على حدة.









