تتزايد الضغوط السياسية والضبابية الدبلوماسية حول رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، وسط تراجع الآمال في احتواء التوترات مع المغرب بعد تدفق العشرات من المهاجرين إلى جيب سبتة المتنازع عليه مع المغرب، وسط تقارير تشير لدور إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الأزمة بين المغرب وإسبانيا.
وفي حفل ديني أقيم في القصر الملكي بالرباط بحضور الملك محمد السادس، وصف وزير الشؤون الإسلامية المغربي أحمد توفيق إماما من القرن الخامس عشر كرمز “لتحرير المدن المحتلة”، في إشارة واضحة ومقلقة لمدينتي سبتة ومليلية اللتين يقطنهما نحو 170 ألف مواطن إسباني.
هذه الإشارات التصعيدية تزامنت مع دعوة وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي لمناقشة مستقبل المدينتين بناء على ما أسماه “الحق” التاريخي والجغرافي، وهو ما اضطرت وزارة الخارجية الإسبانية لرفضه صراحة. ويواجه سانشيز، المحاصر بفضائح الفساد واقتراب موعد الانتخابات العامة، انتقادات حادة بسبب محاولاته المستمرة لتجنب المواجهة مع الرباط، مكتفيا بإلقاء اللوم على شبكات التهريب وحملات التضليل، بل ووصف وزيرة الهجرة إلما سايز المغرب بأنه “شريك مخلص”، وسط غضب عارم من بقية الأحزاب السياسية الإسبانية.
غضب المعارضة واتهامات بـ “الابتزاز”
لاقى نهج سانشيز الدبلوماسي انتقادات لاذعة من مختلف الطيف السياسي في إسبانيا. فقد اتهم ألبرتو نونيز فيخو، زعيم حزب الشعب المحافظ والمرشح الأوفر حظا لخلافة سانشيز، رئيس الوزراء بأنه “يتصرف كمواطن مغربي أكثر منه كرئيس وزراء لإسبانيا”، مشددا على رفض مدريد الخضوع لـ “الابتزاز والتهديدات”.
ولم يقتصر الأمر على المحافظين، بل وصف سانتياغو أباسكال، زعيم حزب فوكس اليميني المتطرف، الأحداث بأنها “عمل روج له المغرب”، بينما اتهم حزب بوديموس اليساري المتطرف الرباط بشن “حرب هجينة”، وطالب حزب سومار بسحب صفة المغرب كمضيف مشارك لكأس العالم 2030، بحسب صحيفة بوليتيكو.
حسابات التحالف الدولي وعامل ترامب وإسرائيل
يرى مراقبون أن توقيت التصعيد المغربي مرتبط بالتحالفات الإقليمية والدولية؛ فالمغرب يعد حليفا مقربا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولإسرائيل، حيث انضم الملك محمد إلى “مجلس السلام” الأمريكي المعني بغزة.
وفي المقابل، يثير سانشيز غضب إدارة ترامب وإسرائيل بعد معارضته للحرب في إيران، ومنعه القوات الأمريكية من استخدام القواعد الإسبانية، ووصفه للعمليات الإسرائيلية في غزة بـ “الإبادة الجماعية”.
ويعتقد خبراء، مثل ريكاردو فابياني من مجموعة الأزمات الدولية، أن أحداث سبتة قد تكون رسالة موجهة من الرباط لواشنطن وتل أبيب لإثبات نفوذها وقدرتها على إزعاج حكومة يسارية معارضة لسياساتها.
ولا يزال شبح “المسيرة الخضراء” عام 1975 ماثلا في أذهان الإسبان، مما يجعل فكرة سيناريو الضم خطرا غير نظري.
إرث تغيير الموقف من الصحراء الغربية وعلاقة معقدة
تأتي هذه الأزمات في وقت تطرح فيه تساؤلات حول جدوى القرار التاريخي الذي اتخذته حكومة سانشيز في عام 2022 بإنهاء عقود من الحياد الإسباني ودعم خطة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء الغربية.
واعتقدت مدريد آنذاك أن هذه الخطوة ستضمن تعاونا نهائيا بشأن الهجرة، إلا أن الرباط بدا أنها تشجعت على رفع سقف مطالبها لتشمل سبتة ومليلية.
وفي المقابل، تؤكد الدوائر المقربة من القصر الملكي المغربي، مثل صحيفة “Le360″، أن التعاون مع المغرب ليس تنازلا سياسيا مؤقتا بل “ضرورة هيكلية” لأي حكومة إسبانية مستقبلية. ومع اقتراب موعد الانتخابات وإمكانية وصول حكومة يمينية بقيادة فيخو، تبدو العلاقة الشائكة بين الجارين الأورو-متوسطيين مقبلة على مزيد من التوتر والاختبارات السياسية الصعبة.









