بيروت – المنشر_الاخباري
تصاعدت حدة التوتر في جنوب لبنان بعد إطلاق حزب الله مسيّرتين باتجاه إسرائيل، في وقت ردت فيه القوات الإسرائيلية بسلسلة غارات جوية عنيفة طالت مناطق في النبطية وإقليم التفاح، وسط مخاوف من اتساع نطاق المواجهة وتعثر المسار التفاوضي بين بيروت وتل أبيب.
وبحسب تقرير لـ”سكاي نيوز عربية”، فإن التطورات الأخيرة لا تبدو مجرد تبادل محدود للضربات، إذ تجاوز الرد الإسرائيلي قاعدة “ضربة مقابل ضربة”، وفق تقديرات الخبير العسكري والاستراتيجي العميد خليل الحلو، الذي رأى أن حجم الرد وطبيعة المناطق المستهدفة يحملان رسائل عسكرية وسياسية تتجاوز الرد المباشر على المسيّرتين.
5 مسيّرات خلال شهر
وأشار الحلو إلى أن حزب الله أطلق خلال الشهر الماضي نحو 5 مسيّرات فقط باتجاه الجيش الإسرائيلي، في مؤشر على انخفاض واضح في وتيرة الاستهدافات، كما أن المسيّرتين الأخيرتين لم تتسببا في وقوع إصابات في الجانب الإسرائيلي، وفق المعطيات التي أوردها التقرير.
ورغم محدودية الأضرار، نفذت إسرائيل أكثر من 10 غارات استهدفت بلدات ومناطق في النبطية وإقليم التفاح، وهو ما اعتبره الحلو مؤشرًا على اتساع هامش الحركة الممنوح للجيش الإسرائيلي.
وأوضح أن طبيعة الرد لا تعكس معادلة عسكرية بسيطة تقوم على الرد على كل قذيفة أو مسيّرة بضربة مماثلة، وإنما ترتبط بحسابات أوسع تتصل بالوضع الميداني والمسار السياسي والتفاوضي بين لبنان وإسرائيل.
مرتفعات استراتيجية تحت السيطرة النارية
ويركز جانب مهم من التصعيد على مواقع علي الطاهر والدبشة والطهرة، وهي مرتفعات يقول الحلو إن إسرائيل تفرض عليها سيطرة نارية منذ نحو شهرين.
وبحسب تقديره، فإن هذه التلال يمكن أن تسقط في حال قررت إسرائيل تنفيذ هجوم واسع وتوفير الإمكانات العسكرية اللازمة، إلا أن السيطرة عليها ستكون مكلفة عسكريًا.
ويرى الحلو أن أهمية هذه المرتفعات تتجاوز موقعها الجغرافي، إذ إن السيطرة عليها يمكن أن تتيح لإسرائيل التأثير في مناطق واسعة تشمل قضاء النبطية ووادي نهر الليطاني وسهل مرجعيون والبقاع الغربي.
كما حذر من أن أي توسع إسرائيلي شمال هذه التلال باتجاه مرتفعات منطقة جزين قد يفتح مسارًا جديدًا في العمليات، نظرًا إلى أهمية المنطقة وإشرافها على قضاء صيدا وأجزاء من البقاع.
زوطر الغربية واختبار دور الجيش اللبناني
وتطرق التقرير إلى الوضع في زوطر الغربية، حيث رفض الحلو وصف التجربة بأنها فاشلة، مؤكدًا أن الجيش اللبناني يسيطر عمليًا على الوضع في المنطقة.
وأوضح أن التعامل مع الأنفاق والتحصينات تحت الأرض يحتاج إلى قدرات عسكرية ولوجستية كبيرة، مشيرًا إلى أن تدمير أنفاق في منطقة قلعة الشقيف تطلب استخدام نحو 700 طن من المتفجرات، وهي إمكانات لا يمتلكها الجيش اللبناني.
وأشار إلى أن إسرائيل كانت، قبل موقفها الأخير، تقبل بتسليم مناطق علي الطاهر والدبشة والطهرة ومحيطها إلى الجيش اللبناني، معتبرًا أن ما تحقق في زوطر الغربية يمكن أن يشكل نموذجًا لإمكانية قيام الدولة اللبنانية بتوسيع سيطرتها تدريجيًا.
نزع سلاح حزب الله.. مسار طويل
وفي ملف نزع سلاح حزب الله، رأى الحلو أن العملية لا يمكن إنجازها بصورة فورية، وأنها قد تحتاج إلى أشهر أو أعوام، معتبرًا أن التعامل معها باعتبارها خطوة سريعة أو “عصا سحرية” لن يؤدي إلى نتائج مستدامة.
وربط نجاح هذه العملية بقدرة الدولة اللبنانية على دمج الطائفة الشيعية بصورة كاملة في مؤسسات الدولة، وتوفير بدائل اجتماعية واقتصادية وخدماتية للسكان الذين استفادوا لسنوات من خدمات يقدمها حزب الله.
وقال إن الدولة تحتاج إلى دعم مالي وسياسي لتحقيق ذلك، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة اتخاذ خطوات عملية واضحة حتى تتمكن من اكتساب ثقة الجهات الدولية المانحة.
وبحسب المعطيات التي أوردها التقرير، دخل الجيش اللبناني إلى نحو 180 نفقًا تابعًا لحزب الله في جنوب لبنان، كما صادر نحو 430 ألف قطعة ذخيرة من مخابئ، في إطار الإجراءات التي ينفذها لتوسيع سلطة الدولة.
مفاوضات تحت الضغط
ويأتي التصعيد العسكري بينما يستمر المسار التفاوضي بين بيروت وتل أبيب برعاية وضغط أميركي، إلا أن المفاوضات تواجه عراقيل كبيرة بسبب تمسك كل طرف بموقفه.
ويرى الحلو أن استمرار المفاوضات لا يعني بالضرورة قرب التوصل إلى اتفاق، لكنها تظل قناة ضرورية لتجنب انتقال التصعيد إلى مواجهة أوسع.
وبحسب قراءته، فإن حزب الله يرفض تسليم سلاحه، في حين تتمسك إسرائيل بموقفها الرافض للانسحاب من المناطق الواقعة خلف ما يعرف بـ**”الخط الأصفر”**، والذي تعتبره منطقة عازلة.
وفي ظل استمرار الخلافات، تتحول المفاوضات إلى مسار لإدارة الأزمة ومنع الانفجار الشامل أكثر من كونها طريقًا سريعًا نحو تسوية نهائية.
ويحذر مراقبون من أن استمرار التصعيد الميداني بالتزامن مع جمود المفاوضات قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على الدولة اللبنانية، خصوصًا إذا توسعت العمليات الإسرائيلية شمالًا أو عادت وتيرة الهجمات عبر الحدود إلى الارتفاع.
وتبقى قدرة الحكومة اللبنانية على فرض سيطرة الدولة وتعزيز دور الجيش، بالتوازي مع استمرار المسار الدبلوماسي، من أبرز العوامل التي قد تحدد اتجاه التطورات المقبلة في جنوب لبنان، في وقت تبدو فيه المنطقة أمام مرحلة حساسة بين احتواء التصعيد أو الانزلاق إلى جولة جديدة من المواجهة.












