طهران – المنشر_الاخباري
ردّ رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، الخميس، على تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت التي اتهم فيها الحكومة الإيرانية بإنفاق أموال ضخمة خارج البلاد، داعياً واشنطن، في المقابل، إلى توجيه مواردها المالية إلى الداخل بدلاً من إنفاق مليارات الدولارات على إسرائيل والقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة حول العالم.
وجاءت تصريحات قاليباف في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، رداً على منشور سابق لبيسنت اتهم فيه إيران بـ«هدر مبالغ هائلة في الخارج»، ودعا الحكومة الإيرانية إلى إنفاق أموالها على الشعب الإيراني بدلاً من توجيهها إلى ما وصفه بـ«الوكلاء الإرهابيين».
وقام قاليباف بمشاركة تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» تناول الضغوط التي يواجهها وزير الخزانة الأمريكي في إدارة ملفات الاقتصاد والأسواق المالية، قبل أن يحوّل الاتهام باتجاه واشنطن.
وقال قاليباف إن الولايات المتحدة، بدلاً من «توجيه مليارات الدولارات إلى إسرائيل وإنفاق الأموال على 750 قاعدة عسكرية»، كان بإمكانها استخدام هذه الموارد لتحسين أوضاع مواطنيها، مضيفاً أن الإدارة الأمريكية تواجه، بحسب تعبيره، أزمة متزايدة في المصداقية الاقتصادية.
وأضاف في رده مخاطباً بيسنت أن مصداقيته أصبحت على المحك، في إشارة إلى الجدل المتزايد داخل الولايات المتحدة بشأن قدرة وزارة الخزانة على التعامل مع التحديات الاقتصادية والمالية التي تواجه البلاد.
قاليباف يستند إلى تقرير أمريكي
واستند رئيس مجلس الشورى الإيراني في رده إلى تقرير نشرته «نيويورك تايمز»، تناول الصعوبات التي تواجه بيسنت في محاولاته التأثير على مؤشرات الاقتصاد الأمريكي، بما في ذلك أسعار الفائدة والأسواق المالية، في وقت تستعد فيه الولايات المتحدة لانتخابات التجديد النصفي.
وبحسب التقرير الذي شاركه قاليباف، فإن مصداقية وزير الخزانة الأمريكي تواجه ضغوطاً متزايدة، خصوصاً مع استمرار ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل، رغم الإجراءات والرسائل التي تبنتها الإدارة الأمريكية بهدف التأثير في الأسواق.
ويأتي ذلك في ظل استمرار الضغوط على الاقتصاد الأمريكي، وسط ارتفاع تكاليف الاقتراض، واستمرار التضخم، وتزايد حجم الدين الفيدرالي، إلى جانب التداعيات الاقتصادية المرتبطة بالحرب والتوترات العسكرية في الشرق الأوسط.
الدين الأمريكي يتجاوز 40 تريليون دولار
ويضع قاليباف انتقاداته في سياق أوسع يتعلق بالوضع المالي للولايات المتحدة، التي تجاوز دينها الوطني حاجز 40 تريليون دولار خلال أغسطس، وفق الأرقام التي أوردها التقرير الأصلي.
وأثار بلوغ الدين هذه المستويات القياسية مخاوف متزايدة بشأن قدرة الحكومة الأمريكية على السيطرة على العجز المالي وتكاليف خدمة الدين، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار الفائدة.
وتؤدي زيادة تكاليف الفائدة إلى استنزاف جزء متنامٍ من الميزانية الفيدرالية، في وقت تواجه فيه واشنطن التزامات مالية ضخمة ونفقات دفاعية متزايدة.
ويرى منتقدون للسياسات الاقتصادية الأمريكية أن الجمع بين العجز المرتفع وتكاليف الاقتراض والإنفاق العسكري يمكن أن يزيد الضغوط على المالية العامة، بينما تحاول الإدارة في الوقت ذاته الحفاظ على النمو الاقتصادي والسيطرة على التضخم.
الحرب تضيف ضغوطاً جديدة على الاقتصاد
وتزامنت هذه التطورات الاقتصادية مع استمرار التداعيات المالية للحرب والتوترات المرتبطة بإيران، والتي انعكست، وفق تقارير اقتصادية، على أسعار الطاقة والأسواق المالية.
ويُنظر إلى ارتفاع أسعار الطاقة باعتباره أحد العوامل التي يمكن أن تزيد الضغوط التضخمية على الاقتصاد الأمريكي، خصوصاً عندما تتعرض طرق الإمداد والطاقة في الشرق الأوسط لمخاطر أمنية.
كما أن استمرار العمليات العسكرية يرفع تكاليف الإنفاق الحكومي، ويزيد الحاجة إلى تعويض المخزونات العسكرية، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة أصلاً تحديات مرتبطة بحجم الدين والعجز.
وتشير تقديرات وتحليلات اقتصادية إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة يمكن أن ينعكس سريعاً على المستهلك الأمريكي من خلال زيادة أسعار الوقود والنقل والسلع والخدمات.
بيسنت يهاجم إيران
وكان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قد شن هجوماً على إيران في منشور عبر منصة «إكس»، اتهم فيه طهران بإنفاق موارد مالية كبيرة خارج البلاد.
وقال بيسنت إن الحكومة الإيرانية يجب أن تنفق أموالها على شعبها بدلاً من تحويل مليارات الدولارات إلى ما وصفهم بـ«الوكلاء الإرهابيين».
وتأتي هذه التصريحات في إطار الضغوط الاقتصادية الأمريكية المستمرة على إيران، بما في ذلك العقوبات والإجراءات الهادفة إلى تقييد قدرة طهران على الوصول إلى الأسواق والموارد المالية الدولية.
وترفض إيران هذه الاتهامات، وتعتبر العقوبات الأمريكية جزءاً من سياسة ضغط اقتصادي تستهدف التأثير في قرارها السياسي والاستراتيجي.
قاليباف يربط الأزمة بالسياسة الأمريكية
وردّ قاليباف على تصريحات بيسنت من زاوية مختلفة، مركزاً على حجم الإنفاق العسكري الأمريكي وانتشار القوات والقواعد التابعة لواشنطن حول العالم.
ويرى المسؤول الإيراني أن الولايات المتحدة تنفق موارد ضخمة على دعم إسرائيل والحفاظ على وجود عسكري واسع خارج أراضيها، في حين تواجه في الداخل مشكلات تتعلق بالدين العام وارتفاع تكاليف المعيشة والضغوط على الاقتصاد.
ويعكس الرد الإيراني أيضاً تصاعد السجال السياسي والاقتصادي بين طهران وواشنطن، بالتزامن مع استمرار العقوبات الأمريكية ومحاولات عزل الاقتصاد الإيراني عن النظام المالي العالمي.
الصين وإيران في مواجهة الضغوط الأمريكية
وتأتي تصريحات قاليباف بعد أيام من مواقف صينية أكدت فيها بكين رفضها للعقوبات الأمريكية أحادية الجانب المفروضة على إيران.
وتعد الصين أحد أبرز الشركاء التجاريين لإيران، وقد حافظ البلدان على علاقاتهما الاقتصادية رغم العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران.
وترى إيران أن استمرار التعاون الاقتصادي مع الصين يشكل جزءاً من استراتيجية أوسع لتقليل الاعتماد على النظام المالي الغربي، وتعزيز العلاقات مع القوى الدولية التي تدعو إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب.
وفي هذا السياق، سبق لقاليباف أن أكد أن الشراكة الاستراتيجية بين إيران والصين لا تحتاج إلى موافقة أي طرف ثالث، في إشارة واضحة إلى رفض الضغوط الأمريكية على العلاقات بين البلدين.
سجال يتجاوز الاقتصاد
ولا يبدو أن الخلاف بين قاليباف وبيسنت يقتصر على الأرقام الاقتصادية، إذ يعكس في جانب منه صراعاً أوسع حول تكلفة السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط.
فبينما تركز واشنطن على اتهام إيران بتمويل حلفائها الإقليميين وفرض العقوبات للضغط على طهران، ترد إيران باتهام الولايات المتحدة بإنفاق مليارات الدولارات على التدخلات العسكرية والقواعد المنتشرة في المنطقة والعالم.
ويأتي هذا السجال في وقت تواجه فيه الإدارة الأمريكية نقاشاً داخلياً متزايداً حول كلفة الالتزامات العسكرية الخارجية وتأثيرها على الاقتصاد الأمريكي.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يمكن أن تتحول قضايا التضخم وأسعار الطاقة والدين العام والإنفاق العسكري إلى ملفات سياسية أكثر حساسية بالنسبة للإدارة الأمريكية.
وفي المقابل، تحاول طهران استثمار هذه الضغوط لتأكيد روايتها بأن سياسة العقوبات والضغط العسكري لم تنجح في إجبارها على تغيير مواقفها، وأن واشنطن تواجه بدورها تكاليف اقتصادية متزايدة نتيجة خياراتها الخارجية.
وبذلك، يتحول السجال بين قاليباف وبيسنت من مجرد تبادل اتهامات بشأن الإنفاق إلى مواجهة سياسية أوسع حول من يدفع ثمن الصراع في الشرق الأوسط، ومن يتحمل كلفة العقوبات والحروب والتوترات المتصاعدة.










