بيروت – المنشر_الاخباري
تشهد جبهة جنوب لبنان تصعيدًا عسكريًا متسارعًا، مع تركيز الجيش الإسرائيلي عملياته الجوية والمدفعية على محيط مدينة النبطية ومرتفعات علي الطاهر، في تحركات يرى مراقبون أنها تتجاوز إطار الضربات التكتيكية، وقد تمثل تمهيدًا لعملية برية تستهدف واحدة من أهم النقاط الاستراتيجية في الجنوب اللبناني.
وتُعد مرتفعات علي الطاهر، الواقعة شمال نهر الليطاني، من أكثر المواقع العسكرية أهمية في جنوب لبنان، إذ تشرف على مدينة النبطية وإقليم التفاح وجبل الريحان والقطاع الشرقي من الجنوب وصولًا إلى البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة تسيطر عليها أفضلية كبيرة في الرصد وإدارة النيران وتأمين خطوط الإمداد.
ووفق مصادر لبنانية، فإن الجيش الإسرائيلي يعتمد في عملياته الأخيرة على استراتيجية تقوم على عزل منطقة علي الطاهر عن محيطها، عبر استهداف الطرق الرئيسية والأودية وخطوط الإمداد، بما في ذلك وادي السلوقي وأودية قبريخا وتولين، بهدف الحد من قدرة المقاتلين على الحركة وإعادة التموضع، وفرض حصار ناري تدريجي على المرتفعات قبل أي تحرك ميداني محتمل.
وأضافت المصادر أن الغارات المكثفة التي طالت حرج علي الطاهر وتلة الدبشة والنبطية الفوقا ودوحة كفررمان لا تندرج ضمن القصف التقليدي، بل تأتي ضمن خطة تستهدف إنهاك المنطقة وتدمير البنية العسكرية فوق الأرض وتحتها، تمهيدًا لفرض واقع ميداني جديد.
وأشارت إلى أن علي الطاهر ليست مجرد تلة مرتفعة، بل عقدة عسكرية وجغرافية بالغة الحساسية، وكانت من أبرز المواقع التي شهدت معارك خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، كما كانت من آخر النقاط التي انسحبت منها القوات الإسرائيلية عام 2000، وهو ما يفسر عودتها إلى واجهة التصعيد الحالي.
وفي موازاة التطورات العسكرية، برزت المرتفعات كواحدة من أكثر الملفات تعقيدًا في الاتصالات الدبلوماسية الجارية، إذ تتحدث مصادر عن مقترحات تقضي بانسحاب جميع الأطراف من الموقع وتسليمه إلى الجيش اللبناني، على أن يتولى التحقق من خلوه من أي منشآت أو بنية عسكرية.
لكن هذه الطروحات، بحسب المصادر، تصطدم برفض حزب الله، الذي يعتبر أن الانسحاب من الموقع سيؤدي إلى كشف أحد أهم خطوطه الدفاعية، وقد يمنح إسرائيل فرصة لفرض سيطرة دائمة على منطقة تتحكم بمساحات واسعة من جنوب لبنان.
من جانبه، قال المحلل السياسي طانيوس صبري الحاج إن المعركة الدائرة حول النبطية ومرتفعات علي الطاهر تمثل اختبارًا حقيقيًا لشكل المرحلة المقبلة في الجنوب، موضحًا أن إسرائيل لا تبدو متعجلة لتنفيذ اجتياح بري واسع بسبب الطبيعة الجغرافية المعقدة للمنطقة واحتمال وجود تحصينات وأنفاق قد تجعل أي معركة مكلفة وطويلة.
وأضاف أن الجيش الإسرائيلي يفضل حاليًا مواصلة سياسة الاستنزاف عبر التفوق الجوي والقصف المدفعي المكثف واستخدام الطائرات المسيّرة، بهدف تدمير القدرات الدفاعية تدريجيًا قبل التفكير في أي تقدم بري.
وتتحدث تقديرات عسكرية عن ثلاثة سيناريوهات محتملة للتطورات المقبلة. الأول يتمثل في تنفيذ عملية برية محدودة بعد استكمال مرحلة القصف المكثف، بهدف السيطرة على القمم والممرات الرئيسية وتحويلها إلى ورقة ضغط في أي مفاوضات مستقبلية. أما السيناريو الثاني فيقوم على استمرار الحصار والاستنزاف من دون اجتياح بري، عبر الإبقاء على المنطقة تحت ضغط عسكري دائم وتنفيذ عمليات استهداف متفرقة. في حين يبقى السيناريو الثالث، وهو الأقل ترجيحًا، متمثلًا في انزلاق المواجهة إلى حرب واسعة تتجاوز حدود جنوب لبنان، وهو احتمال تسعى الوساطات الدولية إلى تجنبه.
ويرى مراقبون أن التحركات الإسرائيلية الأخيرة تعكس تحول مرتفعات علي الطاهر إلى محور رئيسي في الصراع الدائر، وأن مصير هذه المنطقة قد يكون عاملًا حاسمًا في رسم معالم المرحلة المقبلة على الجبهة اللبنانية، سواء عبر فرض وقائع ميدانية جديدة أو من خلال التوصل إلى تسوية سياسية تضمن خفض التصعيد.










