بيروت – المنشر_الاخباري
قال مصدر لبناني مسؤول إن تعثر تجربة “المناطق التجريبية” في جنوب لبنان يعود إلى مجموعة من العوامل الأمنية والعسكرية والسياسية المتداخلة، أبرزها دخول عناصر من حزب الله إلى بعض المناطق قبل انتشار الجيش اللبناني، إلى جانب خلافات حول تعيينات عسكرية اعتُبرت تصب في مصلحة الحزب، وهو ما انعكس على قدرة المؤسسة العسكرية في فرض سيطرة ميدانية كاملة على المناطق التي كان يفترض أن تتولى إدارتها.
وأوضح المصدر أن المرحلة الأولى من الخطة، التي كانت تهدف إلى اختبار قدرة الجيش اللبناني على تثبيت الأمن في عدد من المناطق الجنوبية تمهيدًا لتوسيع التجربة، واجهت عقبات كبيرة منذ بدايتها، معتبرًا أن الظروف الميدانية والسياسية لم تكن مهيأة لإنجاحها، وأن النتائج الحالية كانت متوقعة في ظل المعطيات القائمة.
وأضاف أن من أبرز أسباب الإخفاق دخول عناصر من حزب الله إلى بعض المناطق قبل وصول وحدات الجيش اللبناني، الأمر الذي حدّ من قدرة المؤسسة العسكرية على فرض واقع أمني جديد، كما أضعف الرسائل السياسية والأمنية التي كانت الدولة اللبنانية تسعى إلى إيصالها من خلال هذه التجربة.
وأشار المصدر إلى أن التعيينات العسكرية الأخيرة أثارت بدورها حالة من الجدل، إذ يرى منتقدوها أنها عززت نفوذ ضباط يُنظر إليهم على أنهم مقربون من حزب الله داخل مواقع قيادية، وهو ما انعكس على مستوى الثقة بأداء الجيش في إدارة المرحلة الأولى من الخطة.
وأكد أن بعض الضباط الذين تولوا مسؤوليات ميدانية في الجنوب والبقاع يُتهمون بعلاقات وثيقة مع الحزب، الأمر الذي زاد من المخاوف بشأن حياد المؤسسة العسكرية في التعامل مع الملف، خصوصًا في ظل الانقسام السياسي الداخلي حول مستقبل سلاح حزب الله ودوره العسكري.
ولفت المصدر إلى أن الجيش اللبناني يضم نسبة كبيرة من العسكريين المنتمين إلى الطائفة الشيعية، وأن بعضهم يُظهر تعاطفًا أو ولاءً للحزب، خاصة بعد تصاعد الاعتقاد لدى شريحة من أبناء الطائفة بأن الضغوط الإقليمية والدولية تستهدف الشيعة في لبنان بصورة مباشرة، وليس حزب الله وحده، وهو ما ينعكس على المشهد الداخلي داخل المؤسسة العسكرية.
وأوضح أن المشكلة لا تتعلق فقط بالتركيبة البشرية للجيش، وإنما أيضًا بالإمكانات العسكرية المحدودة التي يمتلكها، مؤكدًا أن المؤسسة العسكرية لا تملك العتاد ولا الإمكانات الكافية لفرض سيطرة كاملة على مناطق حساسة ومعقدة مثل جنوب لبنان في ظل استمرار التوتر الأمني.
وأضاف أن غياب قرار سياسي واضح بحسم ملف سلاح حزب الله يبقى العامل الأكثر تأثيرًا في المشهد، إذ لا يمكن للجيش، بحسب المصدر، أن ينفذ مهمة بهذا الحجم من دون غطاء سياسي كامل وإجماع داخلي، وهو أمر لا يزال غير متوافر حتى الآن.
وأشار إلى أن إسرائيل تنظر إلى التطورات الأخيرة باعتبارها دليلًا على عدم قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها الأمنية، وهو ما يمنحها، من وجهة نظرها، مبررًا للاستمرار في عملياتها العسكرية داخل الجنوب وعدم الانتقال إلى المرحلة الثانية من “المناطق التجريبية”.
وأضاف أن هذا الواقع قد يؤدي إلى خسارة لبنان جانبًا من المكاسب السياسية والأمنية التي حققها خلال الأشهر الماضية، في ظل استمرار التوتر على الحدود وتصاعد احتمالات المواجهة.
من جانبه، قال الخبير العسكري والاستراتيجي جورج نادر إن إسرائيل لم تكن مقتنعة منذ البداية بجدوى “المناطق التجريبية”، لكنها وافقت على تنفيذها استجابة لضغوط دبلوماسية أمريكية ودولية هدفت إلى منح الدولة اللبنانية فرصة لإثبات قدرتها على إدارة الوضع الأمني في الجنوب.
وأوضح نادر أن الجيش اللبناني دخل بالفعل إلى بعض المناطق، ومنها زوطر الغربية، وكان من المفترض أن يتزامن ذلك مع انسحاب القوات الإسرائيلية، إلا أن هذا الانسحاب لم يحدث، الأمر الذي أضعف الثقة بالآلية المتفق عليها وأفقد التجربة جزءًا كبيرًا من فعاليتها.
وأضاف أن إسرائيل لا ترغب في استكمال هذا المسار، كما أنها لا تبدو متحمسة لاستمرار دور قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، معتبرًا أن هدفها الأساسي لا يزال يتمثل في نزع سلاح حزب الله، بغض النظر عن الجهة التي ستتولى تنفيذ ذلك.
وأشار إلى أن الجيش اللبناني لا يمتلك قرارًا سياسيًا يسمح له بالدخول في مواجهة مباشرة مع حزب الله لنزع سلاحه، كما أنه لا يملك الإمكانات العسكرية التي تؤهله لتنفيذ مثل هذه المهمة، ما يجعل فرص نجاح أي خطة من هذا النوع محدودة للغاية.
وأكد نادر أن الحديث عن فشل “المناطق التجريبية” لا يرتبط فقط بالأداء اللبناني، بل أيضًا بالرغبة الإسرائيلية في إثبات عدم جدوى هذا الخيار، معتبرًا أن تل أبيب لم تُظهر استعدادًا حقيقيًا لإنجاح التجربة، وهو ما ساهم في تعقيد المشهد.
وأضاف أن الدولة اللبنانية كانت الطرف الأكثر حرصًا على نجاح الخطة، لأنها كانت ترى فيها فرصة لإعادة تثبيت حضورها الأمني والعسكري في الجنوب وتقليص احتمالات التصعيد، إلا أن التطورات الميدانية حالت دون تحقيق هذا الهدف.
وحذر نادر من أن الأوضاع في جنوب لبنان مرشحة لمزيد من التوتر خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل استمرار العمليات الإسرائيلية وتزايد احتمالات رد حزب الله عليها، وهو ما قد يفتح الباب أمام جولة جديدة من التصعيد العسكري.
وأشار إلى أن أي مواجهة جديدة ستكون أكثر خطورة واتساعًا، وقد تؤدي إلى تدهور إضافي في الوضع الأمني والإنساني، في وقت تواجه فيه الدولة اللبنانية تحديات سياسية واقتصادية غير مسبوقة، ما يجعل أي تصعيد جديد عبئًا إضافيًا على البلاد.











