أثينا – المنشر_الاخباري
تتجه اليونان إلى تعزيز شراكتها مع إسرائيل في المجالات الأمنية والعسكرية، في وقت تعود فيه التوترات مع تركيا إلى الواجهة في شرق المتوسط، ما يفتح الباب أمام معادلة إقليمية أكثر تعقيداً، ويضع الحكومة اليونانية أمام اختبار سياسي داخلي متزايد.
ويرى جون كيرياكو، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، أن الخوف من تركيا يمثل أحد العوامل الرئيسية التي تدفع أثينا إلى التقارب مع تل أبيب، مشيراً إلى أن الحكومة اليونانية تبحث عن دعم أمني واستراتيجي في مواجهة ما تعتبره تحديات مصدرها أنقرة.
وبحسب كيرياكو، فإن العلاقة لم تعد تقتصر على تعاون سياسي أو عسكري محدود، وإنما تتجه نحو شراكة أكثر عمقاً قد تفتح المجال أمام حضور إسرائيلي طويل الأمد داخل اليونان. وفي المقابل، يرى أن هذا التوجه قد يصطدم بمواقف قطاعات من المجتمع اليوناني التي لا تؤيد توسيع العلاقة مع إسرائيل.
هاجس تركيا يعيد تشكيل حسابات أثينا
تعيش العلاقات اليونانية التركية منذ سنوات على وقع خلافات متعددة، تشمل الحدود البحرية، وحقوق التنقيب عن الطاقة، والمجال الجوي، وقبرص، والنفوذ في شرق المتوسط.
ورغم فترات من التهدئة والحوار بين البلدين، عادت ملفات الخلاف إلى الواجهة خلال الأسابيع الأخيرة. وفي أحدث تطورات التوتر، أثارت خطط تركية لإنشاء متنزهات بحرية في مناطق تقول أثينا إنها تتداخل مع مياه ومجالات خاضعة لحقوق يونانية اعتراضات من الحكومة اليونانية. كما تشير تقارير إلى ارتفاع حوادث انتهاك المجال الجوي اليوناني خلال العام الجاري.
وفي ظل هذه البيئة، يبدو أن أثينا تنظر إلى تعزيز علاقاتها مع إسرائيل باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع لبناء شبكة من الشراكات الأمنية في المنطقة.
فالتعاون مع إسرائيل يمنح اليونان إمكانية الوصول إلى خبرات عسكرية متقدمة، خصوصاً في مجالات الدفاع الجوي، والطائرات المسيّرة، والأمن السيبراني، والتدريب العسكري، وهي ملفات أصبحت أكثر أهمية مع تطور طبيعة الحروب الحديثة.
شراكة عسكرية تتوسع بسرعة
لم يعد التعاون بين اليونان وإسرائيل مجرد تدريبات عسكرية متفرقة. ففي عام 2026، اتفق البلدان على توسيع التعاون الدفاعي ليشمل مكافحة أسراب الطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة، إضافة إلى الأمن السيبراني وتبادل الخبرات العسكرية والتكنولوجية. كما يتضمن برنامج التعاون الدفاعي لعام 2026 عشرات الأنشطة والتدريبات المشتركة بين البلدين.
وتأتي هذه الخطوات ضمن إطار أوسع يضم اليونان وقبرص وإسرائيل، مع تنسيق متزايد في شرق المتوسط.
وتنظر أثينا إلى إسرائيل باعتبارها دولة تمتلك خبرة واسعة في التعامل مع تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى امتلاكها قطاعاً دفاعياً متطوراً يمكن أن يساعد اليونان في تحديث قواتها المسلحة.
كما تسعى اليونان إلى الاستفادة من الخبرة الإسرائيلية في تشغيل مقاتلات F-35، مع استمرار خططها للحصول على هذه الطائرات وتعزيز قدراتها الجوية. وقد أبدت إسرائيل استعدادها لتبادل الخبرات العملياتية المرتبطة بهذه المنظومة مع الجانب اليوناني.
إسرائيل وتركيا.. صراع يتجاوز اليونان
لكن التقارب اليوناني الإسرائيلي لا يمكن فصله عن التنافس المتزايد بين إسرائيل وتركيا في المنطقة.
فالتوتر بين أنقرة وتل أبيب تصاعد بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بسبب الحرب في غزة والتطورات في سوريا.
وفي أغسطس الجاري، أثارت ضربة إسرائيلية استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال غربي سوريا مخاوف من احتمال حدوث مواجهة غير مباشرة مع تركيا، خصوصاً أن أنقرة كانت تعزز تعاونها العسكري مع السلطات السورية الجديدة.
وحذر المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، من أن الضربة الإسرائيلية ربما كانت محاولة لاستدراج تركيا إلى مواجهة، بينما رفض مسؤولون إسرائيليون هذا التفسير وقالوا إن التحرك جاء لأسباب أمنية مرتبطة بالوجود التركي المحتمل في سوريا.
وهذا التصعيد يضيف بعداً جديداً إلى الشراكة اليونانية الإسرائيلية، لأن أنقرة وتل أبيب باتتا تتنافسان على النفوذ في ملفات تمتد من سوريا إلى شرق المتوسط.
كيرياكو: العلاقة قد تتحول إلى أزمة داخلية
ويرى كيرياكو أن المشكلة بالنسبة للحكومة اليونانية قد لا تكون في الخارج فقط.
فبحسب تصريحاته، هناك فجوة بين سياسة الحكومة تجاه إسرائيل وبين مواقف قطاعات من الرأي العام اليوناني، خصوصاً على خلفية الحرب في غزة.
ويعتقد المسؤول السابق في الـCIA أن استمرار توسيع التعاون مع إسرائيل، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الشعبية للحكومة الإسرائيلية، يمكن أن يجعل الملف قضية سياسية داخلية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة مع اقتراب الانتخابات الوطنية اليونانية المقررة في 2027، إذ يمكن لأحزاب المعارضة استغلال ملف العلاقات مع إسرائيل في حملاتها الانتخابية.
وقد تصبح الحكومة مطالبة بتقديم تفسير واضح للرأي العام حول دوافع التعاون العسكري، وحجم المصالح اليونانية فيه، وما إذا كان الهدف الأساسي هو مواجهة تركيا أم بناء شراكة استراتيجية أوسع.
قبرص تدخل المعادلة
ولا تقتصر الحسابات على الأراضي اليونانية، إذ تلعب قبرص دوراً محورياً في التوازنات الجديدة بشرق المتوسط.
فالجزيرة تقع في موقع استراتيجي بين اليونان وتركيا وإسرائيل، كما ترتبط بملفات الطاقة والملاحة والأمن الإقليمي.
وتعاونت اليونان وإسرائيل وقبرص خلال السنوات الماضية في مجالات متعددة، بينها الأمن والدفاع والطاقة، فيما شهد عام 2026 استمرار التنسيق العسكري الثلاثي.
ويعني ذلك أن أي تصعيد بين تركيا من جهة واليونان وإسرائيل من جهة أخرى قد لا يبقى محصوراً في الخلافات الثنائية، بل يمكن أن يمتد إلى ملفات إقليمية أوسع.
هل تتحول تركيا إلى محور الانتخابات المقبلة؟
مع اقتراب انتخابات 2027، قد تجد الحكومة اليونانية نفسها أمام معادلة صعبة.
فمن ناحية، تحتاج أثينا إلى تعزيز قدراتها الدفاعية وسط استمرار الخلافات مع تركيا، وهو ما يجعل التعاون مع إسرائيل خياراً جذاباً من الناحية الأمنية.
ومن ناحية أخرى، فإن توسيع الشراكة مع إسرائيل قد يثير اعتراضات داخلية، خصوصاً إذا استمر الجدل الشعبي بشأن الحرب في غزة والسياسة الإسرائيلية.
وبالتالي، قد تتحول العلاقات مع إسرائيل من ملف خارجي إلى قضية انتخابية داخل اليونان.
وقد تستخدم المعارضة سؤالاً بسيطاً لكنه شديد الحساسية: هل تبني اليونان تحالفاتها الأمنية لحماية مصالحها الوطنية، أم أنها أصبحت جزءاً من ترتيبات إقليمية أوسع؟
شرق المتوسط أمام مرحلة جديدة
المشهد الحالي يشير إلى أن شرق المتوسط يتجه نحو مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها المنافسة اليونانية التركية مع التنافس الإسرائيلي التركي، بينما تحاول أثينا تعزيز موقعها من خلال شراكات مع إسرائيل وقبرص ودول غربية أخرى.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار الحوار بين اليونان وتركيا لا يعني انتهاء الخلافات. فالمسائل المتعلقة بالمياه الإقليمية والحدود البحرية والطاقة وقبرص ما زالت قادرة على إعادة التوتر في أي وقت.
ومن هنا، تبدو الشراكة مع إسرائيل بالنسبة إلى اليونان جزءاً من استراتيجية ردع أوسع، وليست مجرد تعاون ثنائي في مجال الدفاع.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل تكلفة سياسية أيضاً.
فكلما توسع التعاون العسكري مع إسرائيل، زادت الحاجة إلى إقناع الشارع اليوناني بأن هذه الشراكة تخدم المصالح الوطنية المباشرة، ولا تجعل اليونان طرفاً في صراعات إقليمية لا تريد الانخراط فيها.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، قد يصبح هذا التوازن أكثر صعوبة، خصوصاً إذا استمرت التوترات بين تركيا وإسرائيل في التصاعد.
وبذلك، فإن ما بدأ كحساب أمني مرتبط بالخلاف مع تركيا قد يتحول تدريجياً إلى معركة سياسية داخل اليونان، يكون عنوانها الأبرز: إلى أي مدى تستطيع أثينا الاقتراب من إسرائيل من دون أن تدفع ثمناً سياسياً في الداخل؟










