صنعاء – المنشر_الاخباري
لم تترك سنوات الحرب في اليمن آثارها على المدن والمنازل فقط، بل امتدت إلى شرايين الحياة نفسها، بعدما تعرضت شبكة الطرق والجسور لأضرار واسعة عطلت حركة السكان والبضائع والمساعدات، وحولت التنقل بين المحافظات إلى رحلة شاقة بالنسبة لملايين اليمنيين.
وتشير تقديرات سابقة إلى تدمير أو تضرر آلاف الكيلومترات من الطرق المعبدة وأكثر من 100 جسر خلال سنوات الصراع، فيما اضطرت أعداد كبيرة من السكان إلى استخدام طرق بديلة غالبًا ما تكون غير ممهدة أو بعيدة وغير مناسبة لحركة المركبات الثقيلة.
شرايين مقطوعة في بلد أنهكته الحرب
كانت الطرق الرئيسية في اليمن تمثل العمود الفقري لحركة السكان ونقل المواد الغذائية والوقود والأدوية بين المحافظات والموانئ والمدن الرئيسية. لكن القتال والغارات وإغلاق الطرق القريبة من خطوط المواجهة أدت إلى تقطيع أجزاء واسعة من هذه الشبكة.
ومع تضرر الجسور، أصبح الوصول إلى بعض المناطق يتطلب سلوك طرق التفافية أطول وأكثر خطورة، ما أدى إلى ارتفاع كلفة النقل وزيادة الوقت اللازم لوصول السلع والخدمات الأساسية إلى السكان.
ولا تقتصر المشكلة على الطرق التي تعرضت للقصف أو الدمار المباشر، إذ إن عددًا كبيرًا من الطرق التي بقيت مفتوحة لم يخضع لأعمال صيانة كافية منذ اندلاع الحرب، ما أدى إلى تدهور حالتها وتحولها إلى مسارات صعبة الاستخدام.
الجسور.. خسارة تتجاوز الخرسانة
تدمير الجسور كان له تأثير مضاعف، لأنها تمثل نقاط عبور استراتيجية يصعب تعويضها، خصوصًا في المناطق الجبلية والوديان التي تميز جغرافية اليمن.
وبحسب مشروع Yemen Archive، وثقت المنظمة 142 هجومًا على جسور بين عامي 2015 و2019، مشيرة إلى أن الأضرار التي لحقت بهذه المنشآت قطعت طرقًا رئيسية كانت تستخدم لنقل الغذاء والمساعدات والوصول إلى المستشفيات والأسواق والمجتمعات المجاورة.
وهكذا تحولت بعض الجسور المدمرة إلى عوائق أمام المدنيين بدلًا من كونها حلقات وصل، في وقت كانت فيه البلاد تعاني أصلًا من تدهور اقتصادي وأزمة إنسانية واسعة.
طرق بديلة.. وكلفة أعلى على اليمنيين
ومع انقطاع الطرق الرئيسية، اضطر السكان وسائقو الشاحنات إلى استخدام مسارات بديلة، بعضها يمر عبر مناطق جبلية أو طرق ترابية لا تتحمل حركة النقل الكثيفة.
هذا الوضع لا يعني فقط زيادة زمن الرحلات، بل ينعكس أيضًا على أسعار السلع والخدمات، لأن ارتفاع تكلفة النقل ينتقل في النهاية إلى المستهلك، في بلد يعاني فيه ملايين السكان من صعوبة الحصول على الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية.
كما أن تضرر الطرق يعرقل وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق الأكثر احتياجًا، ويزيد صعوبة نقل المرضى والجرحى إلى المراكز الصحية.
الحرب تعود لتضغط على البنية التحتية
ويأتي هذا الدمار في وقت يشهد فيه اليمن تجددًا خطيرًا للقتال. فقد شهدت البلاد خلال الأيام الأخيرة أعنف مواجهات منذ سنوات بين القوات الحكومية والحوثيين، خصوصًا في مناطق على الساحل الغربي وتعز، وسط مخاوف من عودة الصراع إلى مستويات أوسع.
ويزيد تجدد المعارك من مخاطر تعرض الطرق والمنشآت الحيوية لمزيد من الأضرار، كما يهدد بإعاقة حركة السكان والمساعدات في مناطق تشهد أصلًا ظروفًا إنسانية صعبة.
إعادة الإعمار.. معركة أخرى
حتى في حال توقف القتال، فإن إعادة بناء شبكة الطرق والجسور لن تكون مهمة قصيرة أو بسيطة. فإصلاح آلاف الكيلومترات من الطرق وإعادة إنشاء الجسور المتضررة يحتاج إلى تمويل ضخم، واستقرار أمني يسمح بتنفيذ مشروعات البنية التحتية، إضافة إلى آلية سياسية تضمن وصول المشروعات إلى مختلف المناطق.
وبالنسبة لليمنيين، فإن إعادة فتح الطرق لا تعني مجرد تحسين حركة السيارات؛ إنها تعني إعادة وصل المدن والمناطق ببعضها، وتسهيل وصول الغذاء والدواء، وخفض تكاليف النقل، وإعادة تنشيط الاقتصاد المحلي.
وبينما تتواصل الحرب وتعود المواجهات إلى الواجهة، تبقى الطرق والجسور واحدة من أكثر صور الكارثة اليمنية وضوحًا: بلد دمرت الحرب أجزاء من بنيته التحتية، ثم تركت سكانه يواجهون مسافات أطول وتكاليف أكبر للوصول إلى أبسط احتياجات الحياة.









