لندن – المنشر_الاخباري
عاد ملف السجون السرية لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) إلى الواجهة من جديد، بعدما كشفت وثائق وتحقيقات قضائية تفاصيل عن موقع سري أقامته الوكالة في العاصمة الرومانية بوخارست لاحتجاز واستجواب معتقلين بعد هجمات 11 سبتمبر، وسط اتهامات للسلطات الرومانية بالتستر لسنوات على حقيقة ما جرى داخله.
وبحسب الوثائق والتقارير التي تناولت القضية، افتتحت الـCIA الموقع عام 2003، ضمن شبكة من السجون السرية التي أنشأتها الولايات المتحدة خارج أراضيها بعد هجمات 11 سبتمبر 2001.
وكان الموقع واحدًا من الأماكن التي احتُجز فيها أشخاص اعتقلتهم السلطات الأمريكية خلال ما عرف بـ«الحرب على الإرهاب»، قبل أن تبدأ تفاصيل البرنامج السري في الظهور تدريجيًا عبر التحقيقات والوثائق القضائية.
موقع سري في قلب بوخارست
كان السجن يضم ست زنازين صُممت لإبقاء المعتقلين في حالة من الارتباك والعزلة، وأُطلق عليه اسم «الضوء الساطع» بسبب استخدام الإضاءة القوية بصورة مستمرة.
وتحدثت الوثائق عن ظروف احتجاز قاسية، شملت الحرمان من النوم، والتقييد، وإجبار المعتقلين على الوقوف لفترات طويلة، إضافة إلى أوضاع جسدية مؤلمة وأساليب أخرى وصفتها التحقيقات بأنها قاسية وغير إنسانية.
كما تضمنت السجلات إشارات إلى التغذية القسرية وغيرها من أساليب التعامل التي تعرض لها المعتقلون خلال وجودهم في الموقع.
وتشير التقارير إلى أن رومانيا حصلت من وكالة الاستخبارات المركزية على نحو 8 ملايين دولار، إلى جانب مبالغ إضافية، مقابل ترتيبات مرتبطة بالموقع.
اعتراف بعد سنوات من الإنكار
وظلت بوخارست لسنوات تنفي معرفتها الكاملة بطبيعة الأنشطة التي كانت تجري في الموقع، لكن الرئيس الروماني السابق إيون إيليسكو أقر في عام 2015 بأنه وافق على طلب أمريكي لاستضافة موقع سري للـCIA.
وقال إيليسكو إن موافقته جاءت باعتبارها «بادرة مجاملة» قبل انضمام رومانيا إلى حلف شمال الأطلسي، مضيفًا أنه لم يتدخل في الأنشطة التي كانت الولايات المتحدة تنفذها هناك.
لكن التحقيقات اللاحقة قدمت صورة مختلفة، وأشارت إلى أن مسؤولين رومانيين تلقوا في عام 2004 إحاطة من الـCIA حول برنامج الاحتجاز، وأن العرض قدم لهم تفاصيل واضحة بشأن أساليب الاستجواب المستخدمة.
المحكمة الأوروبية: رومانيا متورطة
وكان التطور الأهم في القضية قد جاء عام 2018، عندما أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكمًا تاريخيًا خلص إلى أن رومانيا استضافت بالفعل سجنًا سريًا تابعًا للـCIA.
وقالت المحكمة إن السلطات الرومانية تعاونت في تنفيذ برنامج التسليم والاحتجاز الأمريكي، وكانت على علم بطبيعته والغرض منه.
كما حملت المحكمة رومانيا مسؤولية انتهاك حقوق المعتقلين، معتبرة أن الدولة ساعدت في تعرضهم للتعذيب، ثم فشلت لاحقًا في إجراء تحقيق فعال بشأن الانتهاكات.
وبذلك تحول الملف من مجرد اتهامات إلى قضية ثبتت فيها مسؤولية الدولة الرومانية أمام القضاء الأوروبي.
تقرير أمريكي يكشف حجم البرنامج
ولم تقتصر الأدلة على التحقيقات الأوروبية.
ففي عام 2014، خلص تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي إلى أن الـCIA احتجزت ما لا يقل عن 119 شخصًا ضمن برنامجها السري، وأن بعض المعتقلين تعرضوا لأساليب استجواب قاسية.
كما وجد التقرير أن الوكالة قدمت معلومات مضللة للكونغرس والرأي العام بشأن طبيعة البرنامج ونتائجه.
وخلص التحقيق الأمريكي كذلك إلى أن أساليب «الاستجواب المعزز» لم تنتج معلومات استخباراتية فريدة لم يكن من الممكن الحصول عليها بوسائل أخرى.
إرث التعذيب يصل إلى محاكمات 11 سبتمبر
ولم ينته الجدل بإغلاق السجون السرية.
ففي عام 2025، قضى قاضٍ عسكري أمريكي بأن إفادات بعض المتهمين في قضية هجمات 11 سبتمبر غير مقبولة، بعدما خلص إلى أنها انتُزعت في ظروف جعلتها غير طوعية، في ظل تعرض المعتقلين سابقًا للتعذيب والمعاملة القاسية أثناء احتجازهم لدى الـCIA.
ومن المقرر أن تبدأ المحاكمة في القضية في يونيو 2028، لكن آثار برنامج التعذيب الأمريكي لا تزال تلقي بظلالها على الإجراءات القضائية حتى اليوم.
ورغم كل هذه التحقيقات والأحكام، أغلقت رومانيا لاحقًا تحقيقها الداخلي في القضية دون تحديد مسؤول عن الانتهاكات، ما دفع مجلس أوروبا إلى التعبير عن أسفه لعدم تمكن السلطات من كشف الحقيقة كاملة.
وهكذا، وبعد أكثر من عقدين على إنشاء الموقع السري، لا تزال قضية سجن الـCIA في بوخارست تكشف جانبًا من برنامج أمريكي واسع للاحتجاز السري والتعذيب، بينما تواصل تداعياته الظهور في المحاكم والوثائق الرسمية حتى اليوم.











