الخرطوم – المنشر_الاخباري
بينما لا تزال الحرب في السودان مستمرة، بدأت الصين التحرك مبكرًا لحجز موقع متقدم في اقتصاد ما بعد الحرب، عبر الدفع باتجاه اتفاقات في قطاعات الموانئ والطاقة وإعادة الإعمار مع الحكومة المدعومة من الجيش، في خطوة تعكس رهان بكين على أن النفوذ الاقتصادي قد يتحول إلى أداة لتعزيز الاستقرار وحماية مصالحها طويلة الأمد في بلد يتمتع بموقع استراتيجي على البحر الأحمر.
وبحسب تقرير لصحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، وقّع السودان في يوليو اتفاقًا مع شركة تشاينا هاربور إنجينيرينغ لتطوير موانئ قائمة وبناء موانئ جديدة، فيما اتفقت شركة سييوان إنرجي على تقييم محطات الكهرباء التي تضررت خلال الحرب، وتوفير محولات ومحطات فرعية متنقلة، بينما تدرس شركة هونان كونستركشن تنفيذ مشروعات للطاقة الهجينة.
ويأتي هذا التحرك في وقت تقلص فيه الوجود الدبلوماسي والاقتصادي للعديد من الدول الغربية في السودان منذ اندلاع الحرب، بينما حافظت الصين على وجودها الدبلوماسي في مدينة بورتسودان، وهو ما منح بكين، وفق محللين، مساحة أكبر للتحرك على الأرض.
ويرى تيم زونتز، أستاذ العلاقات الدولية المؤقت في جامعة فرايبورغ، أن السودان قد يصبح اختبارًا جديدًا لما وصفه بنهج الصين القائم على «السلام من خلال التنمية»، حيث تربط بكين بين الاستثمار الاقتصادي وتحقيق قدر من الاستقرار السياسي والأمني.
ولا تقتصر أهمية التحرك الصيني على إعادة الإعمار وحدها، إذ يرى خبراء أن بكين تحاول التحرك قبل بدء منافسة واسعة بين القوى الإقليمية والخليجية على فرص الاستثمار في السودان بعد الحرب.
وقال المحلل السياسي كاميرون هدسون، المسؤول الحكومي الأميركي السابق، إن التحرك المبكر يمنح الصين فرصة للدخول إلى السوق السودانية من «الطابق الأرضي»، بما يساعدها على ضمان مصالحها طويلة الأمد قبل اشتداد المنافسة على مشروعات إعادة الإعمار.
ويبدو أن طبيعة المرحلة الحالية قد تمنح الشركات الصينية قدرة أكبر على التفاوض، إذ يرى زونتز أن ضعف موقف الحكومة المدعومة من الجيش قد يدفعها إلى قبول شروط استثمارية أكثر ملاءمة للشركات الصينية مما قد تقبله حكومة مدنية مستقرة في زمن السلم.
لكن هذا التحرك لا يعني أن بكين ستندفع بلا حساب إلى السوق السودانية.
ويرى ديفيد شين، المتخصص في العلاقات الصينية الأفريقية والسفير الأميركي السابق لدى إثيوبيا، أن اتفاق الموانئ لا يزال في مرحلة أولية، وقد يستغرق تنفيذ المشروعات وقتًا، مشيرًا إلى أن الصين تتحرك بحذر في مثل هذه المبادرات، رغم امتلاكها سجلًا في تنفيذ مشروعات أكثر مخاطرة مما تقبل به غالبًا الشركات الغربية.
الطاقة والموانئ.. مصالح صينية قديمة تعود إلى الواجهة
وتملك الصين تاريخًا طويلًا من المصالح الاقتصادية في السودان، خصوصًا في قطاع النفط، إذ ارتبطت العلاقات بين البلدين لسنوات بشركة المؤسسة الوطنية الصينية للبترول «سي إن بي سي»، التي طورت حقولًا نفطية وخطوط أنابيب ومصفاة الخرطوم.
وفي عام 2002، كان السودان يوفر قرابة 10 بالمئة من واردات الصين النفطية، قبل أن تؤدي استقلال جنوب السودان عام 2011 إلى تغيير المعادلة، بعدما انتقلت إلى الدولة الجديدة نحو ثلاثة أرباع احتياطيات النفط التي كانت تتبع السودان الموحد.
ورغم ذلك، ظل جنوب السودان يعتمد على خطوط الأنابيب ومحطة التصدير الواقعة على البحر الأحمر في السودان لإيصال نفطه إلى الأسواق العالمية.
لكن الحرب أضعفت هذه الشراكة النفطية بصورة كبيرة، بعدما أدت المعارك وعمليات النهب وتدمير المنشآت إلى توقف الإنتاج في بعض المواقع. وفي أواخر عام 2025، سعت «سي إن بي سي» إلى إنهاء اتفاقات مرتبطة بإنتاج النفط وخطوط الأنابيب في المربع السادس بسبب تداعيات الحرب.
ومع تراجع قطاع النفط، تبدو الموانئ والكهرباء والبنية التحتية مرشحة لتكون مدخل الصين الجديد إلى الاقتصاد السوداني.
هل تستخدم بكين الاستثمار للضغط من أجل وقف الحرب؟
ويرى خبراء نقلت عنهم الصحيفة أن الصين لا تقدم نفسها كوسيط مباشر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لكنها تحاول استخدام آفاق الاستثمار وإعادة الإعمار كحافز غير مباشر لدفع الأطراف نحو إنهاء القتال.
وقال زونتز إن نهج بكين يقوم جزئيًا على فكرة أن الوعد باستثمارات مستقبلية يمكن أن يمنح الأطراف المتحاربة حافزًا للتوصل إلى تسوية.
لكن هذا الرهان يواجه عقبة أساسية، إذ إن أحد جذور الصراع السوداني يتعلق تحديدًا بمن يسيطر على اقتصاد البلاد ومواردها ومؤسساتها.
وبحسب التقرير، لم تدخل الصين رسميًا في وساطة مباشرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بينما تعثرت جهود الوساطة التي شاركت فيها الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات.
وترى المحللة هانا رايدر، الرئيسة التنفيذية لشركة استشارات مقرها بكين، أن السودان يريد للصين أن تشارك في عدة مجالات، من بينها البناء وتنويع التجارة وتنفيذ مشروعات تنموية توفر فرصًا اقتصادية للسكان.
وأشارت رايدر إلى أن المسؤولين السودانيين يرون تحسنًا في الوضع الأمني، خصوصًا في الخرطوم، ولذلك فإن الدور الصيني، من وجهة نظرهم، لا يتعلق بالضرورة بإنهاء الحرب مباشرة، وإنما بالمساعدة على إيجاد طريق للمضي قدمًا بعد سنوات من الصراع.
سباق النفوذ يبدأ قبل انتهاء الحرب
ويمنح التحرك الصيني المبكر بكين فرصة لبناء موطئ قدم اقتصادي في السودان قبل انتهاء الحرب رسميًا، لكنه في الوقت نفسه يضعها أمام مخاطر سياسية وأمنية كبيرة.
فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي» لا تزال تلقي بظلالها على الاقتصاد والبنية التحتية، فيما يسيطر الجيش على معظم الخرطوم بينما تسيطر قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من دارفور.
ويحذر خبراء من أن الصين، رغم قدرتها على العمل في بيئات عالية المخاطر، ستحتاج إلى التأكد من استقرار الوضع الأمني وضمان حماية استثماراتها قبل الانتقال من الاتفاقات الأولية إلى مشروعات ضخمة على الأرض.
وفي المقابل، فإن دخول الشركات الصينية مبكرًا قد يمنح بكين أفضلية في قطاعات استراتيجية مثل الموانئ والطاقة والنقل، خصوصًا إذا بدأت عملية إعادة الإعمار قبل دخول منافسين غربيين وإقليميين بقوة إلى السوق السودانية.
وبينما تتمسك الصين رسميًا بمبدأ عدم التدخل واحترام سيادة السودان، فإن تحركها الاقتصادي المتسارع يكشف عن رهان واضح: أن من يحجز موقعه في السودان قبل انتهاء الحرب قد يمتلك نفوذًا أكبر في تشكيل اقتصاد البلاد بعد الحرب.











