الخرطوم- المنشر_الاخباري
اعترضت الدفاعات الجوية التابعة للجيش السوداني ثلاث طائرات مسيّرة في ولايتي القضارف وكسلا شرقي البلاد، في تطور جديد يعكس اتساع نطاق استخدام الطائرات المسيّرة في الحرب الدائرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.
وبحسب تقارير محلية، تعاملت الدفاعات الجوية مع المسيّرات في مناطق شرقية، بينها الفشقة بولاية القضارف وخشم القربة بولاية كسلا، فيما لم ترد تقارير مؤكدة عن وقوع خسائر بشرية أو أضرار مادية كبيرة جراء عمليات الاعتراض.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الحرب السودانية تصعيدًا متزايدًا في استخدام الطائرات المسيّرة، التي أصبحت من أبرز أدوات القتال لدى طرفي الصراع، مع انتقال الهجمات إلى مناطق كانت تتمتع خلال مراحل سابقة بهدوء نسبي مقارنة بمناطق القتال الرئيسية.
استهداف منشآت حيوية
وأفادت تقارير بأن بعض المسيّرات التي جرى اعتراضها كانت تستهدف منشآت مائية وبنية تحتية حيوية في شرق السودان، بينها منشآت مرتبطة بمجمع سدي أعالي عطبرة وستيت في ولاية القضارف، إلى جانب منطقة سد خشم القربة في ولاية كسلا.
وتكتسب هذه المنشآت أهمية كبيرة بالنسبة إلى السكان والقطاع الزراعي في المنطقة، نظرًا لدورها في توفير المياه وتنظيم عمليات الري، الأمر الذي يجعل استهدافها مصدر قلق أمني وإنساني، خصوصًا في ظل اعتماد مناطق واسعة من شرق السودان على هذه البنية التحتية.
ولم تعلن السلطات السودانية بشكل رسمي الجهة التي تقف وراء إطلاق المسيّرات، كما لم تعلن قوات الدعم السريع مسؤوليتها عن الهجمات الأخيرة.
وتتبادل القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع الاتهامات بشأن تنفيذ الهجمات بالطائرات المسيّرة، في ظل تصاعد العمليات الجوية التي تستهدف مواقع عسكرية ومنشآت استراتيجية في مناطق متباعدة من البلاد.
شرق السودان يدخل دائرة التصعيد
وكانت ولايات شرق السودان، ومن بينها القضارف وكسلا، من المناطق التي بقيت بعيدة نسبيًا عن خطوط المواجهة الرئيسية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
لكن الأشهر الماضية شهدت تصاعدًا في الهجمات الجوية التي طالت مناطق شرقية، ما أثار مخاوف بشأن انتقال تداعيات الحرب إلى مناطق جديدة، خاصة مع وجود أعداد كبيرة من النازحين الذين فروا من العاصمة الخرطوم وولايات دارفور وكردفان بحثًا عن مناطق أكثر أمنًا.
وتتمتع القضارف وكسلا بأهمية استراتيجية بسبب موقعهما بالقرب من الحدود السودانية مع إثيوبيا وإريتريا، إضافة إلى ارتباطهما بطرق التجارة والإمداد التي تربط وسط البلاد بشرقها وموانئ البحر الأحمر.
ويزيد وقوع هجمات بطائرات مسيّرة في هذه المناطق من الضغوط الأمنية على السلطات، خصوصًا أن أي استهداف للمنشآت الحيوية أو طرق النقل قد ينعكس بصورة مباشرة على حركة السكان وإيصال المساعدات الإنسانية.
تصاعد حرب المسيّرات
وشهد السودان خلال الحرب تحولًا متزايدًا نحو استخدام الطائرات المسيّرة، بعدما كانت العمليات العسكرية تعتمد بصورة أكبر على القوات البرية والطائرات الحربية والقصف المدفعي.
وأصبحت المسيّرات تستخدم في تنفيذ هجمات بعيدة المدى ضد مواقع عسكرية ومراكز قيادة ومخازن أسلحة ومنشآت حيوية، كما تعرضت مناطق مدنية في عدد من الولايات لضربات تسببت في سقوط قتلى وجرحى.
وتحذر الأمم المتحدة من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين نتيجة تكثيف استخدام الطائرات المسيّرة في السودان، خصوصًا مع اتساع نطاق العمليات ووصولها إلى مناطق مكتظة بالسكان.
وتوفر الطائرات المسيّرة للأطراف المتحاربة قدرة على تنفيذ عمليات في مناطق بعيدة عن خطوط القتال المباشرة، وهو ما يفسر جزئيًا وصول الهجمات إلى مناطق شرق السودان، التي كانت لفترات طويلة بعيدة عن ساحات المواجهة الرئيسية.
القضارف والفشقة
وتتمتع ولاية القضارف بأهمية اقتصادية واستراتيجية كبيرة بالنسبة إلى السودان، فهي من أبرز المناطق الزراعية في البلاد، كما تقع أجزاء منها بالقرب من الحدود مع إثيوبيا.
وتُعد منطقة الفشقة تحديدًا من أكثر المناطق حساسية على الحدود السودانية الإثيوبية، بسبب النزاع الحدودي القديم بين البلدين، إلى جانب أهميتها الزراعية.
ويجعل موقع المنطقة أي نشاط عسكري أو أمني فيها موضع متابعة واهتمام، خصوصًا في ظل استمرار الحرب السودانية والتوترات الإقليمية المحيطة بها.
ورغم وقوع اعتراضات للمسيّرات في منطقة الفشقة، لا توجد معلومات مستقلة تؤكد ارتباط الهجمات الأخيرة بأي طرف إقليمي، كما لم تقدم السلطات السودانية حتى الآن تفاصيل كافية عن مصدر الطائرات أو الجهة التي أطلقتها.
كسلا وخشم القربة
أما ولاية كسلا، فتعد من المناطق المهمة في شرق السودان، وتستضيف أعدادًا كبيرة من النازحين، كما تضم منشآت وبنى تحتية مرتبطة بالمياه والزراعة والنقل.
وتقع خشم القربة بالقرب من سد يحمل الاسم نفسه، وهو من المنشآت المائية المهمة في شرق البلاد.
وأثار الحديث عن استهداف منشآت مائية في المنطقة مخاوف بشأن تداعيات الحرب على مصادر المياه والزراعة، خاصة أن البنية التحتية المدنية أصبحت خلال السنوات الماضية عرضة بصورة متزايدة للتضرر نتيجة العمليات العسكرية.
ورغم اعتراض المسيّرات، لم تسجل السلطات أضرارًا كبيرة في المنشآت التي قيل إنها كانت ضمن نطاق الاستهداف، ولم يصدر حتى الآن إعلان رسمي عن سقوط ضحايا نتيجة الهجوم.
النازحون أمام مخاطر جديدة
ويزيد التصعيد في شرق السودان من تعقيدات الأزمة الإنسانية، في ظل وجود أعداد كبيرة من النازحين في ولايات القضارف وكسلا.
وقد أصبحت هذه الولايات وجهة رئيسية للمدنيين الفارين من مناطق الحرب، خصوصًا من الخرطوم ومناطق أخرى شهدت مواجهات عنيفة.
وكانت المناطق الشرقية توفر قدرًا أكبر من الاستقرار مقارنة بمناطق القتال، وهو ما جعلها مركزًا مهمًا لاستقبال النازحين وتقديم المساعدات الإنسانية.
لكن انتقال الهجمات الجوية إليها يهدد هذا الوضع، خصوصًا إذا استمرت الضربات أو توسعت لتشمل المدن والمنشآت المدنية ومراكز الإيواء.
كما أن أي أضرار تصيب الطرق أو مخازن الإمدادات أو مرافق المياه والكهرباء قد تزيد من صعوبة تقديم المساعدات إلى السكان والنازحين.
هجمات متزامنة في مناطق أخرى
وتزامنت التطورات في القضارف وكسلا مع استمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة في مناطق أخرى من السودان، بما في ذلك ولاية النيل الأزرق.
وشهدت الدمازين، عاصمة ولاية النيل الأزرق، خلال الفترة الأخيرة ضربات مسيّرة، في مؤشر آخر على اتساع النطاق الجغرافي للعمليات الجوية.
كما تعرضت مناطق في وسط وغرب السودان لهجمات مماثلة، بينما تتركز العمليات البرية الرئيسية في دارفور وكردفان ومناطق أخرى.
ويعكس ذلك تغيرًا في طبيعة الحرب، إذ لم تعد العمليات مرتبطة فقط بخطوط تماس ثابتة، وإنما أصبحت الطائرات المسيّرة قادرة على الوصول إلى مناطق بعيدة عن الجبهات الرئيسية.
من المسؤول عن الهجمات؟
ولا تزال الجهة المسؤولة عن الهجمات الأخيرة في القضارف وكسلا غير معلنة رسميًا.
وتستخدم قوات الدعم السريع طائرات مسيّرة في عملياتها ضد مواقع الجيش، بينما يمتلك الجيش السوداني بدوره قدرات جوية ومسيّرة ويستخدمها لاستهداف مواقع قوات الدعم السريع.
وفي ظل تبادل الاتهامات، يصعب في بعض الحالات تحديد الجهة المنفذة للهجمات قبل صدور أدلة أو بيانات رسمية واضحة.
كما أن طبيعة الحرب الحالية، وانتشار الطائرات المسيّرة وتعدد مصادر الحصول عليها، يزيدان من صعوبة التحقق الفوري من هوية الجهة التي تقف وراء كل هجوم.
الحرب تتجه إلى مزيد من الانتشار
ويأتي التصعيد في شرق السودان بينما تدخل الحرب عامها الرابع، دون التوصل إلى اتفاق نهائي ينهي المواجهات بين الجيش وقوات الدعم السريع.
وأدت الحرب منذ اندلاعها إلى مقتل أعداد كبيرة من المدنيين والمقاتلين، إضافة إلى نزوح ملايين السودانيين وتدمير قطاعات واسعة من البنية التحتية.
وفي ظل استمرار القتال، أصبح اتساع نطاق العمليات الجوية أحد أبرز سمات المرحلة الحالية من النزاع.
ويشير اعتراض ثلاث مسيّرات في القضارف وكسلا إلى أن المناطق الشرقية لم تعد بعيدة بصورة كاملة عن تداعيات الحرب، خصوصًا مع تزايد قدرة الأطراف المتحاربة على تنفيذ هجمات بعيدة المدى.
ومع استمرار العمليات، تبقى حماية المنشآت الحيوية، وتأمين طرق الإمداد، والحفاظ على سلامة المدنيين والنازحين، من أبرز التحديات التي تواجه السلطات السودانية في الولايات الشرقية.
ولم تعلن السلطات حتى الآن عن خسائر بشرية أو أضرار كبيرة ناجمة عن الهجمات الأخيرة، فيما تستمر عمليات الرصد والتأمين في المناطق التي شهدت اعتراض المسيّرات.
وتؤكد التطورات الأخيرة أن الحرب السودانية لا تزال تشهد توسعًا جغرافيًا وتطورًا في أدوات القتال، في وقت تبقى فيه الجهود الرامية إلى التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار أمام تحديات كبيرة.










