انقرة- المنشر_الاخباري
تواجه الأسواق المالية التركية واحدة من أعنف الأزمات المرتبطة بصناديق الاستثمار خلال السنوات الأخيرة، بعدما امتدت تداعيات أزمة السيولة إلى أصول تقدر بنحو 17 مليار دولار، وسط إجراءات رقابية طالت سبع شركات لإدارة المحافظ وأدت إلى إغلاق وتصفية عشرات الصناديق.
وتسببت الأزمة في موجة بيع حادة داخل بورصة إسطنبول، بعدما عجزت بعض الصناديق عن تلبية طلبات المستثمرين الراغبين في سحب أموالهم، ما أثار مخاوف بشأن حجم الخسائر وقدرة المؤسسات المالية على الوفاء بالتزاماتها.
وتشير أحدث البيانات إلى أن الصناديق المشمولة بإجراءات التصفية تضم مئات الآلاف من المستثمرين، فيما تجاوز عدد الحسابات المرتبطة بالشركات المتضررة مئات الآلاف، ما جعل الأزمة تتجاوز نطاق المستثمرين المحترفين لتصل إلى شريحة واسعة من الأفراد.
7 شركات تحت إجراءات الرقابة
دخلت هيئة أسواق المال التركية على خط الأزمة، وأوقفت التعاملات على صناديق تديرها سبع شركات لإدارة المحافظ، هي «تيرا»، و«بوسولا»، و«هدَف»، و«أطلس»، و«A1»، و«باردوس» و«بولز».
كما تقرر تصفية صناديق محددة تابعة لهذه الشركات، ليصل عدد الصناديق المشمولة بقرار التصفية إلى نحو 131 صندوقًا وفق أحدث البيانات التنظيمية.
وتشمل الإجراءات صناديق سوق المال والصناديق الحرة وغيرها من المنتجات الاستثمارية التي كانت متداولة عبر منصة التداول الإلكتروني للصناديق في تركيا.
وأكدت السلطات أن الإجراءات تستهدف حماية حقوق المستثمرين واحتواء الاضطرابات، بينما بدأت البنوك المكلفة بالإشراف على عمليات التصفية في تنفيذ الخطوات اللازمة لإعادة أموال المستثمرين وفق القواعد التي حددتها الجهات الرقابية.
كيف بدأت الأزمة؟
بدأت الأزمة عندما أعلنت بعض شركات إدارة الصناديق عدم قدرتها على تلبية طلبات استرداد أموال المستثمرين في عدد من الصناديق.
ومع تزايد طلبات السحب، اضطرت الصناديق إلى البحث عن سيولة من خلال بيع الأصول التي تمتلكها، إلا أن المشكلة تمثلت في أن جزءًا من هذه المحافظ كان متركزًا في أسهم محدودة التداول.
وأدى بيع هذه الأسهم إلى انخفاض أسعارها، وهو ما انعكس مباشرة على قيمة الصناديق، ودفع مزيدًا من المستثمرين إلى طلب استرداد أموالهم، لتتشكل حلقة من الضغوط المتتالية على السوق.
وانخفض المؤشر الرئيسي لبورصة إسطنبول بأكثر من 5% خلال إحدى جلسات الأزمة، قبل أن تتدخل السلطات بإجراءات لدعم السيولة وتهدئة الأسواق.
اتهامات بالتلاعب تحت التحقيق
تزامنت الأزمة مع تحقيقات بشأن ممارسات تداول أثارت شكوك الجهات الرقابية.
وتتركز التحقيقات حول قيام بعض الصناديق بتجميع حصص كبيرة في شركات ذات أسهم محدودة التداول، وبينها شركات توجد بينها وبين بعض الجهات الاستثمارية روابط تجارية أو ملكية.
وأثارت هذه الممارسات تساؤلات حول ما إذا كانت عمليات الشراء المكثفة قد ساهمت في رفع أسعار بعض الأسهم بصورة غير طبيعية، وبالتالي زيادة القيمة الدفترية للصناديق وجذب مزيد من المستثمرين.
لكن التحقيقات لا تعني أن جميع الشركات أو الصناديق المشمولة بالإجراءات ارتكبت مخالفات؛ فالجهات المختصة ما زالت تحقق في المعاملات والروابط المالية وتحدد المسؤوليات القانونية.
خسائر ضخمة ومستثمرون يطالبون بأموالهم
أصبحت الأزمة مصدر قلق واسع للمستثمرين الأفراد، الذين تدفقوا خلال السنوات الماضية إلى سوق الأسهم وصناديق الاستثمار بحثًا عن وسائل لحماية مدخراتهم من آثار التضخم المرتفع.
وبحسب بيانات نقلتها رويترز، فإن الصناديق التي صدرت أوامر بتصفيتها تبلغ قيمة أصولها نحو 891 مليار ليرة تركية، وترتبط بحوالي 353 ألف مستثمر.
وفي الوقت نفسه، تشير تقديرات أخرى إلى أن عدد الحسابات الاستثمارية المرتبطة بالشركات المتضررة أكبر من ذلك، ما يعكس اتساع قاعدة المتعاملين مع هذه المنتجات المالية.
وتأتي هذه التطورات بعد سنوات شهدت خلالها بعض الصناديق عوائد استثنائية جذبت أعدادًا كبيرة من المستثمرين، قبل أن يؤدي الضغط على السيولة إلى انقلاب اتجاه السوق بصورة سريعة.
إجراءات حكومية لاحتواء الأزمة
لم تقتصر استجابة السلطات التركية على تجميد الصناديق، إذ اتخذ البنك المركزي وهيئة أسواق المال إجراءات لدعم السيولة ومنع انتقال الأزمة إلى قطاعات مالية أخرى.
ورفع البنك المركزي تمويل عمليات إعادة الشراء إلى 300 مليار ليرة، كما زاد حدود الاقتراض بين البنوك بهدف توفير مزيد من السيولة بالليرة.
وفي خطوة أخرى، خفضت هيئة أسواق المال مؤقتًا الحد الأدنى لمتطلبات هامش صيانة حقوق الملكية في معاملات التداول بالهامش من 35% إلى 20%، في محاولة لتخفيف الضغوط على شركات الوساطة والمستثمرين.
وأكد وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشك أن الأزمة لا تمثل خطرًا نظاميًا واسع النطاق، مشيرًا إلى أن الجزء الأكبر من السوق يعمل بصورة طبيعية، وأن السلطات تمكنت من عزل القطاع المتضرر واحتواء تداعياته.
هل تتحول الأزمة إلى مشكلة أكبر؟
رغم حجم الأموال المتأثرة وعدد المستثمرين، تقول السلطات التركية إن المشكلة تتركز في قطاع محدد من سوق الصناديق ولا تمثل تهديدًا للنظام المالي بأكمله.
لكن الأزمة أعادت في الوقت نفسه فتح ملف الرقابة على شركات إدارة الأصول والممارسات الاستثمارية، خصوصًا مع التحذيرات السابقة من تركّز الاستثمارات في أسهم محدودة التداول واحتمال وجود عمليات تداول منسقة.
وكان مؤشر MSCI قد أثار في وقت سابق مخاوف بشأن الشفافية وتكرار أنماط محتملة من التداول المنسق في السوق التركية، ما زاد الضغط على السلطات لتعزيز الرقابة والإصلاحات التنظيمية.
وفي إطار التحقيقات الجارية، صدرت أوامر احتجاز بحق مسؤولين تنفيذيين في شركتي «بوسولا» و«تيرا»، بينما فرضت السلطات قيودًا على بعض الأشخاص وجمدت أصولًا مرتبطة بالتحقيقات في معاملات سوق رأس المال.
وتظل النتيجة النهائية للأزمة مرتبطة بمسار التحقيقات وعمليات تصفية الصناديق، وقدرة السلطات على إعادة أموال المستثمرين والحفاظ على استقرار الأسواق، بينما تراقب الأوساط المالية التركية مدى تأثير هذه التطورات على ثقة المستثمرين المحليين والأجانب.











