لم يعد بالإمكان التعامل مع الأوضاع الميدانية المتدهورة في منطقة القرن الأفريقي على أنها مجرد سلسلة من النزاعات المحلية المعزولة، فقد تطورت الأزمة لتصبح تهديداً أمنياً عالمياً يفرض نفسه بقوة على أجندة الاستقرار الدولي.
وفي وقت ينشغل فيه المجتمع الدولي بمتابعة بؤر التوتر التقليدية، يغيب عن الرصد العالمي حقيقة أن المخاطر الجيوسياسية عند نقاط الاختناق البحرية، وتحديداً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، قد دخلت مراحل حرجة غير مسبوقة.
وتتفاقم هذه المخاطر في ظل فراغ واضح في القيادة الإقليمية والدولية، مع استمرار الإخفاقات الدبلوماسية وغياب الاستجابة الفاعلة لاحتواء الصراعات المشتتة التي تقودها أطراف إقليمية ودولية متداخلة المصالح.
تقاطع المصالح الإقليمية وتصدع التحالفات التقليدية
يشهد المشهد الإقليمي تحولات جذرية تمثلت في تصدع التحالفات التقليدية القديمة وبروز تنافسات حادة ذات محصلة صفرية، ولا سيما على امتداد السواحل الغربية للبحر الأحمر.
فقد انعكست التطورات والتوترات بين القوى الإقليمية بشكل مباشر على مسار الحروب الأهلية والنزاعات المستمرة في السودان وإثيوبيا، حيث تسعى أطراف متعددة لفرض نفوذها عبر السيطرة على الموانئ الحيوية، وتأمين خطوط التجارة، ودعم شبكات الفصائل المسلحة وقوات الدعم السريع أو الجيوش النظامية.
هذا التشابك المعقد أدى إلى تحويل القرن الأفريقي إلى مسرح لحروب الوكالة التي تتقاطع فيها استراتيجيات الطاقة والتجارة مع أطماع الهيمنة الجيوسياسية.
إثيوبيا في قلب العاصفة ومخاطر الانهيار الديموغرافي
تُمثل إثيوبيا، بثقلها السكاني الذي يناهز 135 مليون نسمة، مركز الثقل الأخطبوطي في هذه المعادلة الملتهبة. ومع مواجهة الحكومة المركزية لأزمات اقتصادية طاحنة واشتعال جبهات القتال الداخلية على أكثر من محور، بات النظام الإثيوبي يعتمد بشكل شبه كلي على شراكات ودعم خارجي للبقاء.
ويحذر مراقبون دوليون من أن تفاقم الصراع الداخلي في إثيوبيا وانهيار استقرارها سيخلقان تداعيات كارثية تتجاوز بكثير الحدود الإفريقية، لتمتد شظاياها إلى دول الجوار وتغذي موجات عدم الاستقرار في منطقة تمتد من حوض النيل إلى الساحل الأفريقي.
شبح أزمة الهجرة الكبرى وتخاذل الاستجابة الدولية
في ظل عجز الدبلوماسية الدولية عن معالجة جذور الأزمات، تلوح في الأفق نذر كارثة إنسانية وديموغرافية هائلة تتمثل في احتمالات النزوح الجماعي نحو شمال إفريقيا وأبواب البحر الأبيض المتوسط.
إن استمرار تغذية صراعات الوكالة واستنزاف مقدرات دول المنطقة ينذر بفرار مئات الآلاف من السكان اليائسين، مما يضع الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي أمام تحديات وجودية ضخمة لا يمكن احتواؤها بالخطابات التقليدية. وما لم تتدخل القوى الدولية بمرونة وواقعية سياسية جادة لوقف حلقة التصعيد، فإن القرن الأفريقي سيظل البؤرة الأمنية الأكثر تفجيراً لتهديد الاستقرار العالمي.








