أنقرة- المنشر_الاخباري
في تطور عسكري قد يغيّر شكل المواجهة الإقليمية، تستعد تركيا لتوسيع حضورها العسكري في السعودية، عبر بحث إرسال قوات وأنظمة دفاع جوي وطائرات عسكرية إلى المملكة، في إطار اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، التي دخلت حيز التفعيل مع تصاعد الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية.
وبحسب تقرير نشرته «ميدل إيست آي» نقلًا عن مسؤولين أتراك، فإن الخطط المطروحة تتضمن تعزيز الوجود التركي بعناصر عسكرية وفرق فنية وأنظمة للدفاع الجوي ومعدات للحرب الإلكترونية، إلى جانب طائرات وطيارين للمساعدة في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة التي يطلقها الحوثيون من اليمن.
لكن أنقرة تضع حدودًا واضحة لهذه المشاركة. فقد أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن بلاده تدرس تقديم دعم دفاعي للسعودية، لكنه استبعد مشاركة القوات التركية في عمليات هجومية أو إرسال قوات إلى دولة أخرى لتنفيذ هجمات. وقال إن التعاون المتوقع يتركز على الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والدعم الفني.
من الدعم الفني إلى المقاتلات؟
ويكشف التقرير أن تركيا لديها بالفعل وجود عسكري وفني في السعودية منذ العام الماضي، بموجب اتفاق تدريب سابق بين البلدين.
وبحسب المسؤولين الذين نقلت عنهم «ميدل إيست آي»، تعمل فرق فنية تركية وأنظمة دفاع جوي ومعدات للحرب الإلكترونية داخل المملكة، فيما جرى خلال سبتمبر الماضي بحث ترتيبات إضافية لإنشاء قاعدة قيادة تركية منفصلة، بالتنسيق مع القوات السعودية والباكستانية.
وتتحدث الخطط المطروحة عن احتمال إرسال طائرات مقاتلة وطيارين أتراك بعد الحصول على موافقة البرلمان، بهدف المساعدة في اعتراض الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية الحوثية. ولم تكشف المصادر عن عدد الطائرات أو القوات التي يمكن أن تشارك في المهمة.
وفي المقابل، قالت مصادر نقلت عنها «رويترز» إن الدعم التركي الجاري حاليًا يقتصر بصورة أساسية على المعدات العسكرية وأنظمة الأسلحة وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إضافة إلى دعم فني، ولم يحدث حتى الآن انتشار جديد للقوات التركية ضمن الاتفاق الثلاثي.
اتفاق مكة يدخل مرحلة الاختبار
وتأتي هذه التطورات بعد أن فعّلت السعودية وتركيا وباكستان للمرة الأولى اتفاق مكة للدفاع المشترك، الموقع في أغسطس الماضي، والذي ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعًا.
وفي اجتماع طارئ عقد في الرياض، اتفقت الدول الثلاث على التحرك لتفعيل التزامات الدفاع المشترك وضمان «النشر السريع» للقوات والقدرات العسكرية في السعودية، لكن البيان المشترك ترك تفاصيل الانتشار للقوانين والإجراءات الوطنية لكل دولة.
وتواجه تركيا تحديدًا عقبة دستورية، إذ لم يصادق البرلمان التركي حتى الآن بصورة نهائية على الاتفاق، فيما قال فيدان إن العمل على إحالة الاتفاق إلى البرلمان أوشك على الانتهاء.
وتمنح المادة 92 من الدستور التركي البرلمان سلطة الموافقة على نشر القوات خارج البلاد، ما يعني أن أي انتشار عسكري تركي واسع في السعودية قد يتطلب ضوءًا أخضر من المؤسسة التشريعية.
لماذا تحتاج السعودية إلى تركيا؟
تأتي التحركات التركية في وقت تتعرض فيه السعودية لهجمات متزايدة بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي يعلن الحوثيون مسؤوليتهم عنها.
واستهدفت الهجمات الأخيرة مطارات ومنشآت حيوية ومدنًا سعودية، بينما كثفت الرياض عملياتها العسكرية داخل اليمن، بالتزامن مع هجوم للقوات اليمنية المدعومة سعوديًا لاستعادة مناطق استراتيجية قرب باب المندب والساحل الغربي لليمن.
وتقول مصادر غربية إن السعودية تبحث عن تعزيز قدراتها في الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والاستطلاع، وهي المجالات التي تمتلك فيها تركيا خبرات وصناعات دفاعية متقدمة.
كما أن أنقرة أعلنت استعدادها للمساهمة في ترتيبات أمن الملاحة في البحر الأحمر، ما يمنحها دورًا أوسع في أمن الممرات البحرية الحيوية التي تربط المنطقة بالأسواق العالمية.
هل تدخل تركيا حرب اليمن؟
السؤال الأكثر حساسية هو ما إذا كان الوجود العسكري التركي المتزايد في السعودية يمكن أن يتحول إلى مشاركة مباشرة في الحرب داخل اليمن.
الموقف الرسمي التركي حتى الآن واضح: المهمة دفاعية وليست هجومية.
وأكد فيدان أن القوات السعودية والقوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا هي التي تخوض المعارك البرية، وأن اتفاق مكة لا يمنح تركيا تفويضًا لشن عمليات هجومية داخل اليمن.
وبالتالي، فإن إرسال طائرات وأنظمة دفاع جوي إلى السعودية، إذا تمت الموافقة عليه، سيعني أن تركيا ستصبح طرفًا أكثر حضورًا في المعادلة العسكرية، دون أن يعني بالضرورة دخولها المباشر في قتال الحوثيين داخل الأراضي اليمنية.
تحالف جديد أمام اختبار حقيقي
ويضع التصعيد الحوثي اتفاق مكة أمام أول اختبار عسكري حقيقي له. فالسعودية تواجه هجمات على منشآتها ومدنها، وباكستان بدأت بالفعل في تعزيز تعاونها الدفاعي مع المملكة، بينما تتحرك تركيا لتوسيع الدعم الفني والعسكري.
وتقول مصادر إن الدعم التركي قد يشمل أنظمة دفاع جوي، طائرات مسيّرة، مشغّلين، معلومات استخباراتية، ومساعدة في التخطيط واللوجستيات، مع إمكانية زيادة حجم وطبيعة الدعم بعد تصديق البرلمان التركي على الاتفاق.
وفي حال وافق البرلمان التركي على نشر قوات إضافية، فقد نشهد للمرة الأولى انتشارًا عسكريًا تركيًا أوسع داخل السعودية في إطار تحالف دفاعي ثلاثي، وهو ما سيمنح أنقرة دورًا أكثر مباشرة في أمن الخليج والبحر الأحمر.
لكن تركيا تحاول في الوقت نفسه تجنب الانجرار إلى حرب مفتوحة داخل اليمن، خصوصًا أن فيدان شدد على أن بلاده لن ترسل قوات إلى دولة أخرى لتنفيذ هجمات.
وبينما تتواصل المعارك على الأرض وتصاعد الهجمات الحوثية على السعودية، تتحول اتفاقية مكة تدريجيًا من إعلان سياسي إلى ترتيبات عسكرية فعلية، وقد يكون قرار البرلمان التركي بشأن نشر القوات هو الخطوة التي ستحدد مدى اتساع الدور التركي في الصراع خلال المرحلة المقبلة.










