لندن – المنشر_الاخباري
تحركات دبلوماسية وتجارية تفتح باب التساؤلات بشأن موقف سيول من الحرب في أوكرانيا، وسط تقارير عن شحنات وقود واتصالات مع موسكو، ومخاوف من تنامي التعاون العسكري الروسي مع كوريا الشمالية.
تثير التحركات الدبلوماسية والتجارية التي تتبناها حكومة كوريا الجنوبية تجاه روسيا قلقًا متزايدًا لدى عدد من الحلفاء الأوروبيين، في وقت تواصل فيه الحرب الروسية الأوكرانية إعادة تشكيل العلاقات الأمنية بين الدول. وبينما تؤكد سيول أن المخاوف بشأن انحيازها إلى موسكو لا تستند إلى الوقائع، تتابع عواصم أوروبية عن كثب مؤشرات التقارب بين الطرفين، من مسارات الشحن والطاقة إلى الاتصالات السياسية.
ويأتي هذا القلق في ظل اعتماد أوروبي متزايد على الصناعات الدفاعية الكورية الجنوبية، ما يحد من قدرة الدول الأوروبية على الضغط على سيول، ويجعل الحفاظ على التنسيق معها مسألة مهمة في الحسابات الأمنية للقارة.
طريق القطب الشمالي يسلط الضوء على العلاقات التجارية
برزت حركة الشحن عبر الممر البحري الشمالي بوصفها أحد الملفات التي أثارت الانتباه إلى العلاقات الاقتصادية بين سيول وموسكو. فقد نفذت شركة الشحن الكورية الجنوبية «بان ستار أكرو» رحلة عبر هذا المسار، الذي يمر بمحاذاة السواحل الروسية في القطب الشمالي، ويمكن أن يقلص زمن الرحلة بنحو عشرة أيام مقارنة بالمسار التقليدي عبر قناة السويس.
لكن استخدام الممر يتطلب تعاونًا روسيًا، وهو ما يثير تساؤلات بشأن طبيعة الترتيبات التجارية واللوجستية بين الجانبين في ظل العقوبات الغربية المفروضة على موسكو.
وتزامنت هذه التطورات مع تقارير أفادت بشحن أكثر من 176 ألف طن متري من الوقود، معظمها من الديزل، من كوريا الجنوبية إلى روسيا خلال شهري يوليو وأغسطس. وذكرت التقارير أن بعض الناقلات المعنية تخضع لعقوبات بريطانية أو أوروبية.
في المقابل، نفى مسؤول أمني كوري جنوبي تصدير الديزل أو البنزين أو وقود الطائرات إلى روسيا، وقال إن السلطات تحقق في احتمال تقديم بيانات غير صحيحة بشأن الوجهة النهائية لبعض الشحنات. ولم يحسم هذا التباين، حتى الآن، جميع التساؤلات بشأن طبيعة الشحنات ومساراتها.
وأكدت وزارة الخارجية الكورية الجنوبية أن التصورات القائلة إن البلاد تميل نحو موسكو لا تتفق مع الوقائع، في موقف يعكس سعي سيول إلى احتواء المخاوف بشأن سياستها الخارجية.
اتصالات سياسية تثير تساؤلات أوروبية
ولا تقتصر المؤشرات التي تراقبها أوروبا على الجانب التجاري. فقد جرت في نوفمبر 2025 محادثات خاصة بين المعهد الكوري الجنوبي للاستراتيجية الأمنية الوطنية والمجلس الروسي للشؤون الدولية، وهو مركز أبحاث يرتبط بالكرملين. كما زار رئيس المعهد، كيم سونغ-بي، موسكو في يونيو.
وفي خطوة أخرى، عيّن الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ هذا الشهر سونغ يونغ-غيل مستشارًا خاصًا لشؤون الدبلوماسية من أجل السلام. وسبق لسونغ أن شغل منصب مبعوث إلى روسيا، كما حصل على وسام الصداقة الروسي عام 2013.
ولا تعني هذه الاتصالات بالضرورة حدوث تحول رسمي في سياسة سيول، لكنها تضاف إلى سلسلة من التحركات التي تدفع بعض الدبلوماسيين الأوروبيين إلى التساؤل عن حدود الانفتاح الكوري الجنوبي على موسكو، ومدى انعكاسه على التنسيق بشأن الحرب في أوكرانيا.
خلافات مع كييف تزيد تعقيد المشهد
تأتي المخاوف الأوروبية أيضًا في وقت شهدت فيه العلاقات بين كوريا الجنوبية وأوكرانيا توترًا. فقد اتهم لي جاي ميونغ كييف بانتهاك اتفاق يتعلق بسرية المعلومات، بعد الكشف عن نقل سجينين كوريين شماليين إلى كوريا الجنوبية. وردت سيول باستدعاء سفيرها، وأعلنت خطوات إضافية لتقليص عدد موظفي سفارتها في أوكرانيا، بينما اعترضت كييف على الرواية الكورية الجنوبية للأحداث.
ويضيف هذا الخلاف طبقة جديدة من التعقيد إلى علاقات سيول مع الأطراف المعنية بالحرب، خصوصًا أن كوريا الجنوبية تحاول الموازنة بين مصالحها الأمنية في شبه الجزيرة الكورية وعلاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية الدولية.
وتتصل هذه الموازنة بمخاوف سيول من تنامي التعاون العسكري بين موسكو وبيونغ يانغ. إذ يرى خبراء في السياسة الكورية أن أي دعم روسي للقدرات العسكرية لكوريا الشمالية قد يزيد التهديدات التي تواجهها كوريا الجنوبية، وهو ما يجعل العلاقة مع روسيا ملفًا أمنيًا مباشرًا بالنسبة إلى سيول، وليس مجرد قضية تجارية أو دبلوماسية.
أوروبا بين القلق والاعتماد الدفاعي
على الرغم من مخاوفها، تواجه الدول الأوروبية قيودًا في قدرتها على التأثير في الخيارات الكورية الجنوبية. فقد طلبت بولندا منذ عام 2022 معدات عسكرية من كوريا الجنوبية تتجاوز قيمتها 18 مليار دولار، في إطار جهودها لتعزيز قدراتها الدفاعية. ويعني هذا الاعتماد أن سيول أصبحت شريكًا مهمًا في تلبية احتياجات عسكرية أوروبية لا يمكن استبدالها بسهولة وعلى الفور.
وأشار ريتشي، في تقييمه للعلاقات الدفاعية، إلى صعوبة إيجاد بدائل سريعة لكوريا الجنوبية في ظل احتياجات أوروبا العسكرية. ويحد ذلك من مساحة الضغط المتاحة أمام الحكومات الأوروبية، حتى عندما تساورها مخاوف بشأن علاقات سيول مع موسكو.
كما أن الموقف الأوروبي نفسه ليس موحدًا تمامًا في ملف الطاقة الروسية؛ إذ تواصل بعض الدول الأوروبية شراء موارد طاقة من روسيا. ووفقًا لمركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف، تضاعفت واردات فرنسا من الغاز الطبيعي المسال الروسي على أساس شهري، لتصل إلى 446 مليون يورو في سبتمبر.
ويضع هذا الواقع أوروبا أمام معادلة معقدة: فهي تسعى إلى الحد من قدرة روسيا على تمويل حربها في أوكرانيا، لكنها لا تزال تواجه تفاوتًا في سياسات الطاقة والدفاع بين دولها، فضلًا عن حاجتها إلى شركاء صناعيين وعسكريين خارجيين.
وفي المحصلة، لا تثبت المؤشرات الحالية وحدها أن كوريا الجنوبية تتجه إلى تغيير استراتيجي في علاقتها بأوروبا أو إلى الانحياز لموسكو. لكنها تكشف عن اتساع مساحة الشكوك بشأن كيفية موازنة سيول بين مصالحها الاقتصادية، واحتياجاتها الأمنية في مواجهة كوريا الشمالية، والتزاماتها وعلاقاتها مع الحلفاء الأوروبيين. وسيظل تطور هذه الملفات، ولا سيما ما يتعلق بشحنات الوقود والتعاون الروسي مع بيونغ يانغ، عاملًا مؤثرًا في مستوى الثقة والتنسيق بين سيول والعواصم الأوروبية.










