إيران بين الاختيار بين خسارتين
تشهد إيران في الآونة الأخيرة مفترق طرق حاسم، إذ يواجه النظام الإيراني خيارين صعبين: إما المفاوضات مع إدراة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أو التصعيد العسكري الذي قد يؤدي إلى نتائج كارثية. ومع تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية على طهران، تبرز تساؤلات حول ما إذا كان سيتم التوصل إلى اتفاق دبلوماسي أو ما إذا كانت المنطقة على وشك أن تشهد صراعا عسكريا جديدا.
شكوك الطرفين
في إدارة ترامب يعتقد معارضو المفاوضات مع إيران أن هدف طهران من المحادثات المحتملة هو كسب الوقت، وأن وعودها واتفاقاتها لا يمكن الوثوق بها.
وفي طهران يعتقد البعض أن زيادة العقوبات والضغط الأقصى سوف يكسر ظهر الاقتصاد المفلس لإيران ولن تتمكن الحكومة من توفير الحد الأدنى من سبل العيش للمواطنين، وهذا الوضع سوف يدفع المتظاهرين إلى الشوارع.
ومن بين هذه الحكومات العديد من الحكومات الإقليمية المهتمة بالعمل كوسيط بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية. لكن هذه المفاوضات، بغض النظر عن الحكومة التي تتوسط فيها، ستكون في الواقع محادثات ثلاثية بين واشنطن وموسكو وطهران.
ولكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كان ممثلو طهران وواشنطن سيجلسون أخيرا على طاولة المفاوضات، بشكل مباشر أو غير مباشر، أو ما إذا كان ينبغي لنا أن ننتظر حتى تحلق الطائرات المقاتلة الإسرائيلية أو الأميركية فوق الأجواء الإيرانية. وفي مثل هذه الظروف، سواء في الجمهورية الإسلامية أو في الولايات المتحدة، ينخرط أنصار التفاوض أو الحرب في نقاش، على الرغم من أن القرار النهائي سوف يتخذه دونالد ترامب وعلي خامنئي.
مفاوضات أم حرب؟
في الولايات المتحدة، يعارض العديد من الأصوات التفاوض مع إيران، معتبرين أن الهدف الأساسي من المفاوضات هو منح طهران الوقت لإعادة ترتيب أوراقها، وأن وعودها واتفاقاتها لا يمكن الوثوق بها. هذا الشعور يعكس عدم الثقة المتزايد في نوايا إيران لدى دوائر صنع القرار الأمريكي.
من ناحية أخرى، في طهران، يعتقد بعض المسؤولين أن الضغط الأقصى والعقوبات المتزايدة ستؤدي إلى انهيار الاقتصاد الإيراني المتداعي. ويرون أن ذلك سيزيد من الاستياء الشعبي، ما قد يؤدي إلى خروج المتظاهرين إلى الشوارع مجددا. هذا السيناريو يخيف الحكومة الإيرانية، ويعكس قلقا متزايدا داخل النظام بشأن تأثير الوضع الاقتصادي على الاستقرار السياسي.
دور الوساطة في المحادثات الإيرانية-الأمريكية
في هذا السياق، تدخل بعض الحكومات الإقليمية كوسطاء محتملين بين طهران وواشنطن. سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية وقطر هي بعض من اللاعبين الرئيسيين الذين يمكنهم تسهيل الحوار. ومع ذلك، تشير الأدلة إلى أن هذه المفاوضات، بغض النظر عن الوسيط، ستكون محادثات ثلاثية حقيقية بين الولايات المتحدة وروسيا وإيران، نظرا للعلاقات الوثيقة التي تربط روسيا بإيران، سواء على الصعيد السياسي أو العسكري.
روسيا، التي تلعب دورا رئيسيا في الملف الإيراني، أكدت استعدادها للوساطة بين طهران وواشنطن. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أشار إلى أهمية دور موسكو في هذه المفاوضات، خصوصا في ظل العلاقة الاستراتيجية بين إيران وروسيا في العديد من القضايا الإقليمية والعالمية.
التباين داخل النظام الإيراني
في داخل إيران، تتفاقم الخلافات بشأن كيفية التعامل مع الضغوط الدولية والعقوبات. هناك انقسام داخلي بين القوى المؤيدة للتفاوض مع الولايات المتحدة، وخاصة تلك المرتبطة بالفصائل الاقتصادية التي تعاني من تأثير العقوبات، وبين القوى التي تدعم التمسك بسياسات التحدي والمقاومة، مثل الحرس الثوري الإيراني.
المجموعة الأولى تعتبر أن التخفيف من العقوبات هو الحل الوحيد لإنقاذ الاقتصاد الإيراني، بينما ترى المجموعة الثانية أن المفاوضات قد تؤدي إلى تقويض السيادة الوطنية ويزيد من نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة.
المخاوف من التصعيد العسكري
في هذه الأثناء، يستمر التهديد العسكري من إسرائيل والولايات المتحدة. تصريحات علي لاريجاني، مستشار خامنئي، حول أن إيران ستسعى لإنتاج القنابل النووية إذا تعرضت للهجوم، تمثل تهديدا يحمل في طياته نوعا من الضعف، ويعكس مخاوف من فقدان إيران للقدرة على الرد بشكل فعال إذا تم شن هجوم ضدها.
هذه التصريحات تتزامن مع تحذيرات من أن أي عمل عسكري ضد إيران سيكون بمثابة “حرب خاسرة” مسبقا، حيث إن قدرة إيران على الصمود أمام مثل هذه الضغوط مشكوك فيها. في الواقع، إن اختيار الطريق العسكري قد يضع النظام الإيراني في وضع حرج للغاية، خصوصا مع التهديدات الواضحة من الولايات المتحدة وإسرائيل، وفقا لصحيفة “كيهان لندن” الإيرانية المعارضة.
مفترق الطرق
تقف إيران الآن عند مفترق طرق حاسم. قبول المفاوضات مع الولايات المتحدة أو التورط في تصعيد عسكري يتطلب قرارات صعبة قد تؤدي إلى نتائج كارثية على المدى الطويل. من غير الواضح ما إذا كانت طهران ستوافق على الشروط الأميركية أو ما إذا كان سيتم تجنب الحرب. وفي ظل هذه الضغوط، يتساءل الجميع: هل ستتمكن إيران من إدارة الوضع بطريقة تبقيها في وضع يسمح لها بالاستمرار في الحكم، أم أن تصعيدا أكبر سيؤدي إلى فقدان السيطرة؟
إن التفاوض مع الولايات المتحدة قد يوفر للجمهورية الإسلامية بعض الوقت، لكنه في الوقت ذاته يضع النظام في موقف صعب للغاية. الخيار العسكري يبدو غير حكيم، لكنه قد يظل قائما إذا فشل الحوار. في النهاية، يبدو أن إيران أمام خيارين: كلاهما محفوف بالمخاطر، وكلاهما قد يؤدي إلى خسارة كبيرة.










