تحركات عسكرية متزامنة تكشف رهانات الجماعة على النفط والممرات البحرية في لحظة إقليمية حرجة
تشهد الساحة اليمنية خلال الأسابيع الأخيرة تحولات ميدانية لافتة، مع شروع ميليشيا الحوثي في إعادة نشر قواتها وإعادة تموضع قدراتها العسكرية في أكثر من محور، في خطوة تعكس استعدادًا لمرحلة تصعيدية محتملة، تتجاوز الحسابات المحلية لتلامس أبعادًا إقليمية أوسع.
وتأتي هذه التحركات في توقيت بالغ الحساسية، يتزامن مع تغيّر موازين القوى في الداخل اليمني، وتصاعد التوتر الإقليمي، خصوصًا في ظل المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما يضع اليمن مجددًا في قلب معادلة الصراع غير المباشر بين القوى الكبرى.
مأرب.. الهدف الاستراتيجي الدائم
في صدارة هذه التحركات، برز الدفع الحوثي بتعزيزات عسكرية باتجاه المناطق الجنوبية من محافظة مأرب، التي تمثل عقدة استراتيجية مركّبة، ليس فقط باعتبارها أحد أهم معاقل الجيش اليمني، بل لكونها القلب الاقتصادي للطاقة في البلاد، بما تحتويه من حقول نفط وغاز تشكّل رئة حيوية لأي سلطة تسعى للسيطرة على الموارد.
المعطيات الميدانية تشير إلى تحشيد واسع شمل آليات ثقيلة ومتوسطة، إلى جانب أعداد كبيرة من العناصر البشرية، معظمهم من خريجي معسكرات التعبئة التي كثّفت الجماعة نشاطها فيها خلال السنوات الماضية، في محاولة لتعويض الاستنزاف البشري الذي تكبدته في جولات القتال السابقة.
ولا يبدو هذا التحرك معزولًا عن إخفاقات سابقة للجماعة في تحقيق اختراق حاسم في مأرب، ما يدفعها اليوم إلى إعادة اختبار الجبهة، ولو من باب الضغط والمناورة، بدل السعي لحسم عسكري مباشر.
فتح الجبهات.. تكتيك تشتيت أم رسالة ضغط؟
بالتوازي مع مأرب، شهدت جبهات أخرى تصعيدًا متزامنًا، شمل محيط مدينة تعز ومناطق التماس مع القوات الجنوبية في لحج والضالع، في نمط يعكس توجّهًا واضحًا لإعادة فتح أكثر من جبهة في آن واحد.
هذا الانتشار المتعدد لا يبدو هدفه تحقيق مكاسب ميدانية سريعة، بقدر ما يسعى إلى تشتيت خصوم الجماعة، وإرباك خطوط الدفاع، وإعادة إنتاج مشهد المواجهة الشاملة، بما يتيح للحوثيين توسيع هامش المناورة السياسية والعسكرية.
الاشتباكات التي شهدتها أطراف تعز، ومحاولات التقدم المحدودة التي أُحبِطت، تؤكد أن الجماعة تختبر الجبهات أكثر مما تسعى لاختراقها، مستخدمة التصعيد كأداة ضغط ورسالة قوة.
رسائل إلى الداخل قبل الخارج
إلى جانب البعد العسكري، تحمل هذه التحركات رسائل داخلية واضحة، في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية داخل مناطق سيطرة الحوثيين، وتراجع القدرة على التعبئة المجتمعية، وظهور مؤشرات تململ صامت داخل البيئة الحاضنة.
التصعيد الميداني هنا يتحول إلى أداة سياسية داخلية، تهدف إلى شدّ العصب، وإعادة توجيه الأنظار نحو “الخطر الخارجي”، وإعادة إنتاج خطاب المواجهة بوصفه مبررًا للأعباء المعيشية المتزايدة.
البحر الأحمر يدخل المعادلة
التحركات الحوثية لم تتوقف عند الجبهات البرية، بل امتدت إلى إعادة تموضع الترسانة الصاروخية، في مؤشر على إدخال البعد البحري والإقليمي بقوة في الحسابات.
ونُقلت منصات صاروخية من مواقع جبلية محصّنة إلى مناطق أقرب لممرات الملاحة الدولية في البحر الأحمر، في خطوة تعكس سعي الجماعة لامتلاك أوراق ضغط تتجاوز الجغرافيا اليمنية، وتضع خطوط التجارة الدولية ضمن نطاق التهديد المحتمل.
كما شهدت مناطق أخرى في وسط البلاد تحركات مشابهة، شملت نقل صواريخ طويلة المدى إلى مرتفعات تطل على مسارات بحرية استراتيجية، بما يعزز من قدرة الحوثيين على ربط الساحة اليمنية مباشرة بالتوترات الإقليمية.
ورقة إقليمية في توقيت حساس
تتقاطع هذه التطورات مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، ما يعزز من فرضية أن الحوثيين يسعون لتكريس أنفسهم كذراع جاهز للاستخدام في لحظة إقليمية حرجة، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تتجاوز قدرتهم على التحمل.
وتبدو الجماعة حريصة على اللعب على حافة التصعيد، عبر رفع الجاهزية العسكرية، وتوسيع نطاق التهديد، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام التراجع التكتيكي، بما يسمح لها بالمقايضة السياسية لاحقًا.
تصعيد يعكس قلقًا أكثر من قوة
رغم كثافة التحركات، فإن الصورة العامة لا تعكس اندفاعة هجومية واثقة بقدر ما تكشف عن قلق استراتيجي متزايد لدى الجماعة، في ظل تضييق الخيارات العسكرية، وتبدّل البيئة الإقليمية، واحتمالات إعادة رسم خرائط النفوذ.
وبين مأرب الغنية بالنفط، والبحر الأحمر الحساس للتجارة الدولية، يحاول الحوثيون إعادة تثبيت موقعهم كلاعب لا يمكن تجاهله، مستخدمين التصعيد كوسيلة للبقاء داخل معادلة التأثير، لا كطريق لحسم عسكري وشيك.










