زيارة أردوغان لمصر… استثمار في غزة أم تسوية مع الماضي؟
من المقرر أن يصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة بعد غد، في زيارة تحمل طابعًا سياسيًا واقتصاديًا كثيفًا، وسط حديث رسمي عن «شراكة استراتيجية» بين القاهرة وأنقرة، وحديث غير رسمي عن ملفات خلافية مؤجلة من ليبيا إلى شرق المتوسط مرورًا بملف المعارضة المصرية في تركيا.
وتأتي الزيارة في ظل تحركات تركية أوسع تشمل الرياض أيضًا، ما يضع مصر في قلب جولة إقليمية تتصدرها حرب غزة، وإعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط بعد سنوات من القطيعة والتوتر الحاد بين البلدين.
خلفية وسياق الزيارة
شهدت العلاقات المصرية التركية تحوّلًا لافتًا منذ 2021، بعد عقد من القطيعة والتصعيد الإعلامي والدبلوماسي، قبل أن يكسر أردوغان الجليد بزيارة للقاهرة في فبراير 2024، تبعتها زيارة للرئيس المصري إلى أنقرة في سبتمبر من العام نفسه، وتوقيع حزمة من الاتفاقيات الاقتصادية والسياسية.
هذا المسار تُوّج بإعلان تشكيل «مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى» بين البلدين، ورفع مستوى التمثيل الدبلوماسي والتفاهم على زيادة التجارة إلى نحو 15 مليار دولار خلال السنوات المقبلة.
في مطلع 2026، كثّف وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره التركي هاكان فيدان اتصالاتهما الهاتفية واجتماعات فرق التخطيط المشتركة، للتحضير لانعقاد الدورة الثانية من المجلس الاستراتيجي، التي من المنتظر أن يترأسها الرئيسان في القاهرة خلال الربع الأول من العام.
وجاء الإعلان عن زيارة أردوغان ضمن هذه الأجواء، بوصفها حلقة جديدة في مسار «تطبيع كامل» للعلاقات السياسية والأمنية، وليس مجرد لقاء بروتوكولي عابر.
جدول الأعمال المعلن… وغزة في الصدارة
وفق التسريبات والتصريحات الرسمية المتداولة في أنقرة والقاهرة، سيركز برنامج الزيارة على ثلاثة محاور رئيسية:أولا: بحث تطورات العدوان على غزة، وسبل تثبيت وقف إطلاق النار، وإطلاق آلية لإعادة الإعمار، مع الحديث عن صيغ لإدارة القطاع في مرحلة ما بعد الحرب، بما في ذلك طرح مصري عن لجنة تكنوقراط فلسطينية انتقالية.
ثانيًا: مناقشة الملفات الاقتصادية، حيث يرافق أردوغان وفد واسع من رجال الأعمال لعقد منتدى استثماري في القاهرة، يركز على الطاقة، والصناعات التحويلية، والإنشاءات، وفتح الباب أمام الشركات التركية للتوسع في السوق المصرية.
ثالثًا: التنسيق حول الملفات الإقليمية الساخنة، وعلى رأسها ليبيا وسوريا والقرن الأفريقي وشرق المتوسط، في محاولة لتقليل مناطق التصادم ورفع مستوى إدارة الخلاف بدل تركه مفتوحًا.
مصادر دبلوماسية مصرية وتركية تشير إلى أن جزءًا من النقاش سيتناول كذلك التحضيرات لمؤتمر دولي حول إعادة إعمار غزة تستضيفه مصر، ودور تركيا المحتمل في التمويل والمشروعات اللوجستية والبنية التحتية، خصوصًا في مجالات المقاولات والطاقة.
ملفات خلافية في الكواليس
رغم الأجواء الإيجابية رسميًا، تبقى على الطاولة ملفات شديدة الحساسية بالنسبة للداخل المصري، من بينها مستقبل وجود شخصيات من المعارضة المصرية في إسطنبول، وترتيبات الإعلام المعارض، وحدود الدور التركي في ليبيا، وملامح التعاون أو التنافس في شرق المتوسط
أنقرة سبق أن أرسلت إشارات تهدئة عبر ضبط نشاط بعض القنوات المصرية المعارضة على أراضيها، لكن قطاعات داخل الدولة المصرية ما زالت تتعامل بحذر مع «مرونة» أردوغان، وتطالب بضمانات طويلة الأمد لا ترتبط فقط بالظرف الإقليمي.
في ليبيا، يظل سؤال القوات والاتفاقات العسكرية والأمنية بين أنقرة وحكومة غرب ليبيا حاضرًا في ذهن القاهرة، التي تخشى انعكاسات مباشرة لأي تفاهمات ناقصة على أمنها القومي وحدودها الغربية.
كما لا يغيب ملف غاز شرق المتوسط ورسم الحدود البحرية عن الصورة، وإن جرى التعامل معه حتى الآن بقدر كبير من التكتم، تفاديًا لإثارة حساسيات لدى شركاء إقليميين آخرين لكل من القاهرة وأنقرة.
حسابات كل طرف من الزيارة
بالنسبة لمصر، تأتي زيارة أردوغان في توقيت حساس داخليًا وإقليميًا، مع ضغوط اقتصادية كبيرة، وحرب مستمرة على حدودها الشرقية في غزة، وتوترات في جوارها الجنوبي في السودان والبحر الأحمر.
لذلك تسعى القاهرة إلى استثمار الزيارة لتعزيز الاستثمارات التركية، وفتح أسواق جديدة للمنتجات المصرية، وإظهار قدرتها على نسج تحالفات متوازنة مع قوى متعارضة إقليميًا، من الخليج إلى تركيا وإيران.
أما أنقرة، فتقرأ الزيارة كجزء من إعادة تموضع شامل في الإقليم بعد سنوات من سياسة «صفر أصدقاء»، وتوتر مع السعودية والإمارات ومصر، إذ باتت تركيا في حاجة إلى شراكات اقتصادية وسياسية أوسع لمواجهة أعباء داخلية، ولتثبيت نفوذها في ملفات غزة وليبيا وشرق المتوسط عبر التفاهم مع القاهرة بدل منافستها المفتوحة.
ويدرك أردوغان أن التقارب مع مصر يمنحه أوراق قوة إضافية في التفاوض مع أوروبا والولايات المتحدة، عبر إظهار قدرته على لعب دور وسيط إقليمي لا غنى عنه
زيارة بين «التطبيع» والأسئلة الصعبة
بهذه الخلفية، تبدو زيارة الرئيس التركي للقاهرة بعد غد خطوة جديدة في مسار طويل من فك الاشتباك بين البلدين، لكنها ليست نهاية الطريق؛ فأسئلة الثقة المتبادلة، ومصير الملفات المؤجلة، وحدود الشراكة الأمنية والسياسية، ستظل اختبارًا حقيقيًا لما يصفه الطرفان بـ«التحول البراغماتي» في علاقاتهما
وبين خطاب رسمي يتحدث عن شراكة استراتيجية، ونقاشات شعبية وإعلامية تحذر من «تلميع» أنقرة دون ضمانات واضحة، ستبقى نتائج الزيارة مرهونة بما يخرج من الغرف المغلقة أكثر مما يُعلن على المنصات أمام الكاميرات.










