المنشر الاخباري| 8مارس 2026، في تصعيد يؤذن بدخول الصراع الإسرائيلي الإيراني مرحلة جديدة من الخطورة البالغة، انتقلت المواجهة بين الطرفين من ميادين المعركة المباشرة إلى قلب المنظومة الاقتصادية العالمية، حين دخلت المنشآت النفطية دائرة الاستهداف المتبادل بشكل صريح وموثق، لتعلن ما باتت تسميه التقارير الدولية “حرب النفط”، وهي معركة يدفع ثمنها في نهاية المطاف كل من يملأ خزان سيارته أو يدفئ بيته في أي بقعة من بقاع الأرض.
مصاف طهران تشتعل.. وحيفا ترد بالدخان
وبحسب تقارير موثقة بالصور ومقاطع الفيديو المتداولة عبر وسائل الإعلام الإيرانية والدولية، شنت إسرائيل بمشاركة أمريكية هجمات موسعة طالت منشآت نفطية حيوية في محيط العاصمة الإيرانية، استهدفت خزانات وقود ومصفاة نفط في جنوب طهران، شملت مناطق كوهك وشهران وكرج، إضافة إلى ما يشار إليه بمصفاة شهرري.
وأسفرت الهجمات عن حرائق هائلة وأعمدة دخان كثيفة غطت أجزاء واسعة من سماء المدينة، في مشاهد استدعت تداعياتها التساؤل عن حجم الضرر الفعلي الذي لحق بالطاقة التكريرية الإيرانية.
ولم تمهل طهران المشهد طويلا؛ إذ أعلن الحرس الثوري الإيراني الرد المباشر باستهداف مصفاة حيفا، أكبر مصافي النفط في إسرائيل التابعة لمجموعة بازان والتي تبلغ طاقتها التكريرية نحو 197 ألف برميل يوميا، وذلك بصواريخ “خيبر شكن” بعيدة المدى.
ودوت انفجارات وصفارات إنذار في مدينة حيفا، وتشير تقارير إلى نجاح منظومات الدفاع الجوي في اعتراض عدد من الصواريخ، غير أن مشاهد موثقة تشير إلى وقوع أضرار وإغلاق جزئي أو كلي لأجزاء من المنشأة.
ووصف الحرس الثوري هذا الرد صراحة بأنه “رد مباشر على استهداف مصفاة طهران”، مرسخا بذلك قاعدة جديدة في هذا الصراع: المنشآت النفطية باتت أهدافا مشروعة على الطرفين.
هرمز يغلق شريانه.. والخليج يحترق
ولم تقتصر التداعيات على الجغرافيا الإيرانية الإسرائيلية، بل امتدت لتطال شريان الطاقة العالمي في قلبه. فقد شهدت المنطقة إغلاقا شبه كامل لمضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقدر بنحو 20% من إمدادات النفط العالمية، في خطوة تعطل تدفق ملايين البراميل يوميا إلى الأسواق الدولية وتضع صانعي السياسة الاقتصادية أمام احتمالات مقلقة.
وتوسعت دائرة الاستهداف لتطال منشآت خليجية حيوية، إذ تعرضت منشآت رأس تنورة السعودية لهجمات، فيما طالت ضربات مصفاة في البحرين.
والأكثر إثارة للقلق العالمي هو ما تشير إليه التقارير من توقف جزئي لإنتاج قطر من الغاز الطبيعي المسال، الذي تعتمد عليه دول أوروبية بشكل رئيسي لتأمين احتياجاتها من الطاقة. وتمتد التداعيات كذلك إلى حقول الغاز الإسرائيلية وحقول كردستان العراق، في صورة تشير إلى أن حرب الطاقة لا تعرف الحدود الجغرافية الضيقة.
أسعار النفط تقفز.. والتضخم يطرق الأبواب
وترجمت الأسواق المالية هذه التطورات بسرعة لافتة؛ إذ قفزت أسعار خام برنت لتتخطى في بعض الفترات حاجز 84 دولارا للبرميل، وسط مخاوف متصاعدة من أن استمرار التصعيد قد يدفع الأسعار نحو مستويات تتجاوز 100 دولار، وهو سيناريو يلقي بظلاله الثقيلة على آفاق الاقتصاد العالمي.
ويرى المحللون أن التأثيرات الاقتصادية لهذه الحرب لن تتوقف عند أسعار النفط وحدها، بل ستمتد لتشمل موجة تضخمية جديدة في دول تعافت للتو من تبعات التضخم الذي أعقب جائحة كورونا، إضافة إلى اضطراب واسع في سلاسل التوريد العالمية التي تعتمد على استقرار إمدادات الطاقة في مراحلها الإنتاجية والتوزيعية كافة.
استراتيجية الإنهاك الاقتصادي
وتكشف قراءة هذا التصعيد أن كلا الطرفين يسعى إلى توظيف منطق “الإنهاك الاقتصادي” في المواجهة؛ فإيران تستهدف شريان الوقود الإسرائيلي لإحداث أزمة داخلية تثقل كاهل المجتمع وتضعف الجبهة الداخلية، بينما تسعى إسرائيل وواشنطن إلى تقليص الطاقة التكريرية الإيرانية وعائداتها النفطية بما يجفف تمويل عملياتها العسكرية وشبكة وكلائها الإقليميين.
وفي هذه المعادلة الصعبة، يبقى المجتمع الدولي الطرف الذي يتلقى الفاتورة دون أن يكون طرفا في الصراع، فيما تتصاعد التساؤلات عما إذا كانت الدبلوماسية الدولية قادرة على التحرك بما يكفي لاحتواء حريق بات يمس الشريان الأساسي للاقتصاد العالمي.










