استحقاق 7 يونيو يضع حكومة باشينيان في مواجهة معارضة مدعومة من موسكو وسط سباق دولي لإعادة رسم موقع يريفان الجيوسياسي بعد حرب قره باغ
موسكو – المنشر_الاخباري
تتجه أرمينيا إلى صناديق الاقتراع في 7 يونيو/حزيران في انتخابات برلمانية وُصفت بأنها الأخطر منذ حرب ناغورني قره باغ، في ظل تصاعد غير مسبوق في التنافس الجيوسياسي بين روسيا والولايات المتحدة، وتزايد الانقسام الداخلي حول مستقبل البلاد السياسي والأمني والاقتصادي.
وتأتي هذه الانتخابات في لحظة حساسة من تاريخ أرمينيا الحديث، بعد سنوات من التحولات العميقة التي أعقبت هزيمة البلاد في حرب قره باغ عام 2020، ثم فقدانها السيطرة على الإقليم في 2023، وهو ما فتح الباب أمام مراجعة شاملة لتحالفاتها الخارجية وموقعها الإقليمي.
ويخوض رئيس الوزراء نيكول باشينيان، زعيم حزب “العقد المدني”، هذه الانتخابات في مواجهة معارضة قوية تتهمه بالتفريط في الأراضي الأرمينية، مقابل مسار سياسي يسعى إلى تقارب أكبر مع الغرب وتثبيت اتفاقات سلام هشة مع أذربيجان، بدعم أمريكي متزايد.
انتخابات تُحدد موقع أرمينيا بين روسيا والغرب
تشير تحليلات صادرة عن مؤسسات إعلامية دولية، بينها “نيويورك تايمز” و”فورين بوليسي” و”ذا ناشيونال إنترست”، إلى أن الانتخابات لا تتعلق فقط بتشكيل حكومة جديدة، بل بتحديد موقع أرمينيا الاستراتيجي بين روسيا من جهة، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.
وتصف “فورين بوليسي” الاستحقاق بأنه جزء من “صراع تاريخي على أرمينيا”، موضحة أن البلاد لطالما كانت ساحة تنافس بين موسكو وأنقرة وطهران والغرب، وأن التصويت الحالي قد يحسم اتجاه هذا التوازن لعقود قادمة.
في المقابل، تشير “نيويورك تايمز” إلى أن باشينيان يخوض “معركة بقاء سياسي”، في ظل ضغوط داخلية ومعارضة مدعومة من قوى تعتبر أقرب إلى روسيا، في وقت تحاول فيه واشنطن ترسيخ حضورها في جنوب القوقاز عبر مبادرات دبلوماسية واتفاقات سلام أولية مع أذربيجان.
ماكي سال: من رئاسة السنغال إلى واجهة التحركات الدبلوماسية
وفي سياق دولي أوسع مرتبط بإعادة تشكيل النظام السياسي العالمي، تبرز شخصيات دولية تتحرك بين العواصم الكبرى في سباق النفوذ، من بينها الرئيس السنغالي السابق ماكي سال، الذي أصبح أحد الفاعلين في المشهد الدبلوماسي الدولي بعد مغادرته السلطة في 2024.
ماكي سال، الذي حكم السنغال بين 2012 و2024، يسعى حالياً إلى بناء دعم دولي لترشحه لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، في ظل جولات اتصالات مكثفة شملت قوى كبرى مثل فرنسا والولايات المتحدة وعدد من الدول الأفريقية.
وقد استقبله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخراً في قصر الإليزيه، في لقاء وصفه سال بأنه “مثمر”، مؤكداً تقارب الرؤى حول إصلاح الأمم المتحدة وتعزيز فعاليتها في مواجهة الأزمات الدولية.
ورغم ذلك، لم يصدر عن الرئاسة الفرنسية أي إعلان رسمي بدعم ترشيحه، ما يعكس طبيعة “الترتيب الخفي” الذي يطبع سباق اختيار الأمين العام للأمم المتحدة، حيث تلعب التفاهمات غير المعلنة بين القوى الكبرى الدور الأهم في حسم الاسم النهائي.
أرمينيا بين الداخل المضطرب والضغوط الخارجية
داخلياً، تواجه أرمينيا حالة انقسام سياسي حاد بين معسكرين رئيسيين: الأول يقوده باشينيان ويدعو إلى تسوية النزاعات الإقليمية والانفتاح على الغرب، والثاني تهيمن عليه شخصيات معارضة بارزة مثل الرئيس السابق روبرت كوشاريان، والتي تدعو إلى إعادة تعزيز العلاقات مع روسيا.
وتشير التقارير إلى أن المعارضة لا تقدم برنامجاً موحداً بقدر ما تعتمد على انتقاد الحكومة الحالية، في وقت يظل فيه ملف ناغورني قره باغ محوراً أساسياً في الخطاب السياسي، باعتباره الجرح الأعمق في الذاكرة الوطنية الأرمينية.
وتعتبر خسارة الإقليم عام 2023 نقطة تحول سياسية أدت إلى احتجاجات واسعة، وأضعفت ثقة جزء من الشارع في حكومة باشينيان، رغم استمرار الدعم الشعبي له في أوساط أخرى ترى أن خيار السلام مع أذربيجان وتركيا ضرورة استراتيجية لتجنب حرب جديدة.
روسيا والضغط غير المباشر
وتتهم تقارير غربية موسكو باستخدام أدوات ضغط اقتصادية وإعلامية داخل أرمينيا، تشمل قيوداً على الصادرات الزراعية والغذائية، إضافة إلى حملات تأثير رقمي ومعلوماتي تهدف إلى تقويض شعبية الحكومة الحالية.
كما حذرت موسكو من أن انفتاح أرمينيا المتزايد على الاتحاد الأوروبي قد يقود إلى “سيناريو مشابه لأوكرانيا”، في إشارة إلى التصعيد الغربي الروسي في شرق أوروبا.
وفي المقابل، يرى محللون أن روسيا لا تزال تمتلك أوراق ضغط قوية، من بينها السيطرة على جزء من البنية التحتية للطاقة، ووجود عسكري مباشر داخل البلاد، ما يجعل أي تحول جذري في السياسة الخارجية الأرمينية معقداً للغاية.
تركيا في خلفية المشهد
رغم أنها ليست طرفاً مباشراً في الانتخابات، تظل تركيا حاضرة بقوة في الحسابات الجيوسياسية، باعتبارها شريكاً رئيسياً لأذربيجان وفاعلاً مؤثراً في ملفات الأمن الإقليمي.
ويشير محللون إلى أن أي فوز لتيار باشينيان قد يسرّع مسار التطبيع مع أنقرة وفتح الحدود المغلقة منذ عقود، بينما قد يؤدي صعود المعارضة إلى تجميد هذا المسار وإعادة العلاقات إلى مرحلة الجمود التاريخي.
لحظة مفصلية في تاريخ أرمينيا
تظهر استطلاعات الرأي أن حزب باشينيان يتصدر المشهد دون ضمان أغلبية واضحة، ما يفتح الباب أمام احتمالات تشكيل حكومات ائتلافية قد تكون هشة سياسياً.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو أرمينيا أمام خيارين رئيسيين: إما مواصلة مسار الانفتاح التدريجي والتسويات الإقليمية، أو العودة إلى اصطفاف تقليدي أكثر قرباً من روسيا، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات على مستقبل البلاد الجيوسياسي.
وتخلص التحليلات الدولية إلى أن انتخابات 7 يونيو لا تحدد فقط شكل الحكومة المقبلة، بل ترسم ملامح موقع أرمينيا في النظام الدولي خلال السنوات المقبلة، في واحدة من أكثر لحظات القوقاز حساسية منذ عقود.








