يعكس الإعلام المصري تبنياً ملحوظاً لرواية موحدة وخطاب متوازن تجاه تصعيد المواجهات الأمريكية-الإيرانية-الإسرائيلية، الذي بلغ ذروته في أعقاب غارات جوية أمريكية على مواقع إيرانية في سوريا والعراق نهاية فبراير، تلاها رد إيراني بصواريخ باليستية على قواعد إسرائيلية في النقب.
هذا النهج الإعلامي يعبر عن الموقف الرسمي المصري الذي يدعو إلى “ضبط النفس” و”الحلول الدبلوماسية”، محافظاً على توازن دقيق بين الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن والحفاظ على العلاقات مع طهران، دون الوقوع في فخ التحيز الإسرائيلي.
الرواية الموحدة: وحدة الصوت الرسمي والشعبي
في الأسابيع الأخيرة، اتحد الإعلام المصري – من الصحف الرسمية مثل “الأهرام” و”الأخبار” إلى القنوات التلفزيونية كـ”القاهرة والناس” و”النهار”، مروراً بالإعلاميين البارزين على “الجزيرة مصر” و”إم بي سي مصر” – حول رواية تركز على “الخطر الإقليمي المشترك” الذي يهدد الأمن القومي العربي. لم تذكر هذه الوسائل أي جانب باسم “عدو” صريح، بل استخدمت تعبيرات مثل “التصعيد الخارجي” أو “الصراعات الإقليمية”، مع التركيز على تأثيرها على مضيق هرمز، أسعار النفط (التي ارتفعت 15% إلى 85 دولاراً للبرميل)، وقناة السويس التي سجلت تراجعاً في الحركة البحرية بنسبة 8%.هذه الوحدة ليست صدفة؛ فهي تتماشى مع توجيهات الرئاسة والخارجية، حيث أصدرت وزارة الخارجية بياناً في 10 مارس يدعو “جميع الأطراف إلى وقف إطلاق النار الفوري”، مشددة على “حق إيران في الدفاع عن نفسها دون انتهاك سيادة الدول المجاورة”. القنوات الرسمية نقلت تصريحات الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسي في قمة عربية طارئة بتاريخ 15 مارس، حيث حذر من “حرب إقليمية شاملة قد تشعل الشرق الأوسط بأكمله”، مع دعوة لـ”مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة”
الخطاب المتوازن: بين النقد والحياد
يتميز الخطاب الإعلامي بتوازن يتجنب التصعيد، حيث يُنتقد الغارات الأمريكية كـ”تجاوز للقانون الدولي”، ويُشاد برد إيران كـ”رد دفاعي محدود”، بينما يُصور الدعم الإسرائيلي لواشنطن كـ”مخاطرة استراتيجية”.
برامج مثل “كلمة أخيرة” على قناة “أون إي” استضافت خبراء يحللون “التآمر الثلاثي” دون تحريض، مع التركيز على “الخسائر العربية”، كتأثر العراق (حيث قُتل 20 مدنياً في الغارات) وسوريا (التي شهدت توترات حدودية مع إسرائيل).في الوقت نفسه، يُبرز الإعلام الفارق بين “العدوان الخارجي” والموقف المصري “الثابت”، مستشهداً بصفقات السلاح الأمريكية البالغة 2.5 مليار دولار سنوياً كـ”ضمان للتوازن”، مع رفض أي مشاركة مصرية في التصعيد. صحيفة “الوطن” نشرت تحليلاً يومياً بعنوان “مصر فوق الصراع”، يقارن بين تأثير الحرب على الاقتصاد المصري (ارتفاع فاتورة الوقود بـ1.2 مليار دولار) والدور الدبلوماسي في الوساطة مع إيران عبر عُمان.
الأبعاد الاستراتيجية والداخلية
يعكس هذا النهج استراتيجية مصرية تهدف إلى تعزيز دورها كـ”وسيط إقليمي”، خاصة مع تراجع نفوذ السعودية في ظل التقارب الإيراني-الخليجي.
الإعلام يروج لـ”الاستقلالية المصرية”، مستذكراً دور القاهرة في وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، ويحذر من “سيناريو العراق الثاني”.
داخلياً، يساهم في تهدئة الرأي العام، حيث أظهر استطلاع لـ”مركز الدراسات الاستراتيجية” أن 72% من المصريين يؤيدون “الحياد النشط”.
التحديات تكمن في ضغوط الإعلام الرقمي، حيث تنتشر روايات “مؤيدة لإيران” على تويتر، لكن السلطات تحارب “الأخبار الكاذبة” بقوانين صارمة. كما يُستخدم الإعلام لدعم مبادرات مثل “مبادرة القاهرة للتهدئة”، التي اقترحتها مصر في مجلس الأمن يوم 16 مارس.
آفاق الاستمرارية
مع استمرار التوترات – حيث أعلنت إيران تدريبات بحرية في الخليج، وردت إسرائيل بتعزيزات في الجولان – يظل الإعلام المصري نموذجاً للتوازن، محافظاً على الرواية الموحدة كأداة لتعزيز السيادة الوطنية. هذا النهج ليس مجرد تغطية إخبارية، بل جزء من استراتيجية بقاء في عالم الصراعات المتشابكة.










