دعوات من مؤتمر الفاو لتفادي تداعيات النزاعات على الأمن الغذائي العالمي وتحقيق هدف “صفر جوع”
طهران – المنشر الإخباري
في تحذير يعكس تصاعد القلق الدولي من تداخل الأزمات الجيوسياسية مع التحديات الاقتصادية والبيئية، أكدت إيران أن استمرار التوترات العسكرية في المنطقة لم يعد يهدد الأمن الإقليمي فقط، بل بات يشكل خطرًا مباشرًا على الأمن الغذائي العالمي، في وقت تتزايد فيه الضغوط على سلاسل الإمداد والإنتاج الزراعي.
وجاء هذا التحذير خلال كلمة وزير الزراعة الإيراني غلام رضا نوري أمام مؤتمر منظمة الأغذية والزراعة لآسيا والمحيط الهادئ، حيث طرح رؤية تعتبر أن الأزمات العسكرية لم تعد منفصلة عن ملف الغذاء، بل أصبحت أحد أبرز محدداته في المرحلة الحالية.
اضطراب سلاسل الإمداد… من الجغرافيا إلى موائد الغذاء
أوضح الوزير الإيراني أن أي تصعيد عسكري في مناطق حساسة من العالم ينعكس بشكل مباشر على حركة التجارة العالمية، خصوصًا في القطاعات المرتبطة بالإنتاج الزراعي مثل الطاقة والأسمدة والنقل.
فمع تعطل إمدادات الوقود وارتفاع تكاليف الشحن، تتعرض العمليات الزراعية لضغوط متزايدة، بداية من الزراعة وحتى التوزيع، ما يؤدي في النهاية إلى تقليص الكميات المتاحة من الغذاء وارتفاع أسعاره عالميًا.
هذا الترابط بين الأمن العسكري والأمن الغذائي لم يعد مجرد تحليل نظري، بل أصبح واقعًا ملموسًا، حيث تتأثر الأسواق العالمية بسرعة بأي توتر سياسي أو عسكري، وهو ما يجعل استقرار سلاسل الإمداد شرطًا أساسيًا لاستقرار الغذاء.
“صفر جوع” في مواجهة واقع مضطرب
في ظل هذه التطورات، يواجه هدف القضاء على الجوع، الذي تتبناه منظمة الأغذية والزراعة والمجتمع الدولي، تحديات غير مسبوقة.
وأشار نوري إلى أن تحقيق هذا الهدف لم يعد مرتبطًا فقط بزيادة الإنتاج أو تحسين التوزيع، بل أصبح مرهونًا بمدى قدرة العالم على احتواء النزاعات وتأثيراتها الاقتصادية.
فالأزمات العسكرية، بحسب الطرح الإيراني، تعيد تشكيل أولويات الدول، وتدفع الموارد نحو الإنفاق الدفاعي بدلًا من الاستثمار في الزراعة والتنمية، وهو ما ينعكس سلبًا على الجهود العالمية لمكافحة الجوع.
دعوة إلى موقف دولي وتعاون عابر للحدود
في هذا السياق، شدد الوزير الإيراني على ضرورة تحرك دولي منسق يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، ويضع استقرار الأنظمة الغذائية في صدارة الأولويات.
الدعوة لم تقتصر على إدانة التصعيد، بل امتدت إلى ضرورة بناء آليات تعاون فعالة تضمن استمرار تدفق الإمدادات الغذائية، وتدعم الدول الأكثر تأثرًا بالأزمات.
هذا الطرح يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الأزمات الحالية لم تعد محلية أو إقليمية، بل أصبحت عابرة للحدود، ما يتطلب استجابة جماعية قائمة على التنسيق وتبادل الموارد والخبرات.
تحديات مركبة تضغط على النظام الغذائي العالمي
إلى جانب التوترات الجيوسياسية، تواجه مناطق واسعة من العالم، خاصة آسيا والمحيط الهادئ، ضغوطًا إضافية تتمثل في تدهور الأراضي الزراعية، وندرة المياه، وسوء التغذية.
هذه التحديات، رغم اختلاف طبيعتها، تتقاطع في تأثيرها على قدرة الدول على إنتاج الغذاء وتوفيره بشكل مستدام، ما يجعل الأزمة أكثر تعقيدًا.
فالزراعة لم تعد مجرد نشاط اقتصادي، بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها قضايا البيئة والمناخ والسياسة، وهو ما يفرض الحاجة إلى مقاربات شاملة تأخذ في الاعتبار كل هذه العوامل.
تحولات ضرورية في إدارة الموارد الزراعية
في مواجهة هذه التحديات، دعا نوري إلى إعادة النظر في أساليب إدارة الموارد الزراعية، خاصة فيما يتعلق باستخدام المياه وتطوير أنظمة الري.
وأشار إلى أن تحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعية لم يعد خيارًا، بل ضرورة لضمان استمرارية الإنتاج في ظل تزايد الضغوط البيئية.
كما لفت إلى أهمية تبني تقنيات حديثة تدعم الإنتاج الزراعي، وتقلل من الاعتماد على الموارد المحدودة، بما يسهم في تعزيز الاستدامة على المدى الطويل.
الاستدامة البيئية كمدخل لتعزيز الأمن الغذائي
أبرزت الكلمة أيضًا أهمية المشروعات البيئية، مثل برامج التشجير وإدارة الغابات، باعتبارها جزءًا من الحل وليس مجرد مبادرات جانبية.
فزيادة الغطاء النباتي لا تسهم فقط في تحسين البيئة، بل تلعب دورًا مباشرًا في دعم الإنتاج الزراعي، من خلال تحسين التربة والحفاظ على الموارد المائية.
كما أن هذه المبادرات تعكس توجهًا نحو دمج الاعتبارات البيئية في السياسات الزراعية، بما يحقق توازنًا بين الإنتاج والحفاظ على الموارد.
نحو نظام غذائي أكثر مرونة وقدرة على الصمود
في ختام الطرح، برزت فكرة أساسية مفادها أن العالم بحاجة إلى إعادة بناء أنظمته الغذائية بطريقة تجعلها أكثر قدرة على التكيف مع الأزمات.
هذا يتطلب، وفق الرؤية المطروحة، ربط السياسات الزراعية بالتحولات البيئية والاجتماعية، والعمل على تطوير نماذج إنتاج وتوزيع قادرة على الصمود أمام الصدمات.
وفي ظل عالم يشهد تسارعًا في التغيرات، يبدو أن الأمن الغذائي لم يعد قضية قطاعية، بل أصبح جزءًا من معادلة الأمن الشامل، التي تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والبيئة بشكل غير مسبوق.










