في وقت يغلي فيه القرن الأفريقي على صفيح من التوترات الجيوسياسية، برزت مؤخراً تقارير وتكهنات مثيرة للجدل حول صفقات سرية بين الصومال وإثيوبيا بوساطة تركية قد تعيد رسم خارطة النفوذ في المنطقة، عبر منح مقديشو عن منطقة أودال في أرض الصومال لصالح أديس أبابا.
وتتمحور هذه الادعاءات حول عرض مفاجئ قد تقدمه مقديشو لأديس أبابا، يمنح الأخيرة سيادة أو وصولاً استراتيجياً لمنطقة أودال، مقابل فك ارتباط إثيوبيا بـ أرض الصومال “صوماليلاند” ودعم وحدة الأراضي الصومالية.
سياق الأزمة: طموحات الموانئ وصراع السيادة
تأتي هذه التسريبات في أعقاب الزلزال الدبلوماسي الذي أحدثته مذكرة التفاهم الموقعة في يناير 2024 بين إثيوبيا وأرض الصومال، والتي تمنح أديس أبابا منفذاً بحرياً (ربما في لوغايا بمنطقة أودال) مقابل خطوات نحو الاعتراف بسيادة هرجيسا.
هذا الاتفاق اعتبرته مقديشو “عدواناً صارخاً”، مما دفع المنطقة إلى حافة التصادم العسكري والدبلوماسي.
وتستغل التقارير غير المؤكدة حالة الغضب الداخلي في أودال؛ حيث شهدت المنطقة احتجاجات من شيوخ قبائل ونواب يعارضون سلطة هرجيسا ويرفضون “بيع” أراضيهم لإثيوبيا، مفضلين البقاء تحت لواء الصومال الفيدرالي.
هذه الديناميكية القبلية عززت رواية “الصفقة البديلة” التي قد تطرحها مقديشو كطريقة لقطع الطريق على طموحات أرض الصومال الانفصالية عبر إغراء إثيوبيا ببديل “شرعي”.
الزاوية التركية: هل يمول النفط الصومالي “أودال المستقبلية”؟
تزعم الروايات المتداولة أن تركيا، الحليف الاستراتيجي للصومال، تضمن هذه الصفقة بمليارات الدولارات المخصصة لمشاريع بنية تحتية في أودال، ممولة من موارد النفط والغاز التي بدأت شركة النفط التركية (TPAO) باستكشافها في المياه الصومالية.
ورغم قوة التحالف التركي الصومالي واتفاقيات تقاسم الإنتاج الموقعة بين 2024 و2026، إلا أنه لا يوجد دليل مادي يربط هذه الاستثمارات بتنازلات إقليمية لصالح إثيوبيا.
ويرى محللون أن إقحام تركيا في هذه الشائعات يهدف إلى تصويرها كـ “مهندس” لاتفاقيات سرية تتجاوز المعلن في “إعلان أنقرة” للوساطة.
البحر الأحمر في عين العاصفة الجيوسياسية
يزداد المشهد تعقيداً مع دخول فاعلين دوليين؛ حيث اعترفت إسرائيل بـ “أرض الصومال” في أواخر عام 2025 لاعتبارات استراتيجية تتعلق بأمن البحر الأحمر وتهديدات الحوثيين.
وفي المقابل، تواصل الولايات المتحدة مراقبة هذه التحالفات بحذر، خشية أن تؤدي الصفقات السرية أو التصعيد العسكري إلى تقويض جهود مكافحة الإرهاب ضد “حركة الشباب”.
تقييم الواقع: حقائق أم تضليل؟
رغم الإثارة التي تحملها هذه “الادعاءات الخطيرة”، إلا أنها تفتقر إلى التوثيق الرسمي من العواصم المعنية.
فالمؤشرات الميدانية تؤكد أنمقديشو لا تزال متمسكة بالوحدة وترفض أي تنازل عن شبر من أراضيها، حتى لو كان ذلك لإغراء أديس أبابا.
فيما تعطي إثيوبيا الأولوية للوصول المستدام للموانئ، لكنها تدرك كلفة الاعتراف الرسمي بأرض الصومال أو الدخول في صفقات سرية قد تفجر المنطقة.
وتعد أودال بؤرة توتر محلي، لكن طموحاتها للحكم الذاتي تُستخدم غالباً كأداة ضغط في الصراع بين مقديشو وهرجيسا.
و يبدو أن القرن الأفريقي يعيش مرحلة من “حرب المعلومات” التي تسبق أو توازي المفاوضات الشاقة. وتظل هذه الروايات حول “أودال الإثيوبية” انعكاساً للمخاوف من الصفقات التي تُبرم خلف الأبواب المغلقة، في منطقة أثبت تاريخها أن شائعات اليوم قد تصبح، بصورة ما، أزمات الغد.










