تحقيق دولي يفضح امتداد ثروة قادة الدعم السريع إلى عقارات فاخرة في الإمارات وسط اتهامات بتمويل غير مشروع وصلة بجرائم حرب في السودان
لندن – المنشر الإخبارى
كشفت تحقيقات صحفية موسعة صادرة عن مجموعة “ذا سنتري” الأمريكية أن قيادات قوات الدعم السريع السودانية، وعلى رأسهم محمد حمدان دقلو المعروف بـ”حميدتي”، تمكنوا من بناء شبكة استثمارات عقارية ضخمة داخل إمارة دبي، تتضمن ممتلكات فاخرة تُقدّر قيمتها بملايين الجنيهات الإسترلينية، في وقت تتصاعد فيه الاتهامات الدولية للإمارات العربية المتحدة بتوفير ملاذ مالي لهذه الجماعة المسلحة.
وبحسب التقرير، فإن شخصيات مرتبطة مباشرة بقوات الدعم السريع وشبكتها المالية استحوذت على أكثر من عشرين عقارًا فاخرًا في دبي، تُقدّر قيمتها الإجمالية بنحو 17.7 مليون جنيه إسترليني، ما يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول مصادر هذه الثروات وطبيعة التمويل الذي مكّن من بناء هذه الإمبراطورية العقارية خارج السودان.
شبكة مالية عابرة للقارات
التقرير لم يقتصر على الجانب العقاري فقط، بل أشار إلى وجود ما وصفه بـ”مجمع صناعي شبه عسكري” يمتد عبر إفريقيا وغرب آسيا، تعمل من خلاله شبكات مرتبطة بالدعم السريع في مجالات المال والتجارة والذهب، مع اعتبار دبي مركزًا رئيسيًا لإدارة وتحويل الأموال وتخزين الثروات.
ووفق التحقيق، فإن الإمارات لعبت دور “الملاذ الآمن” لقيادات الدعم السريع وأفراد عائلاتهم، إضافة إلى كونها نقطة محورية في عمليات تبييض عائدات الذهب المهرب من السودان، خاصة بعد سيطرة حميدتي وشبكته على أكبر منجم ذهب في إقليم دارفور عام 2017.
وبعد السيطرة على هذا المنجم، تشير المعلومات إلى أن الشبكة استخدمت شركات مقرها الإمارات لتحويل الذهب غير القانوني إلى سيولة مالية عبر تجارة الذهب المزدهرة في دبي، ما وفر تدفقات مالية ضخمة ساعدت في توسيع نفوذها الاقتصادي.
اتهامات خطيرة للإمارات
ونقل التقرير عن الباحث البارز في “ذا سنتري” نيك دونوفان قوله إن الإمارات لم تكتفِ بدعم غير مباشر، بل سمحت بوجود جزء من البنية المالية والعسكرية للدعم السريع على أراضيها، مضيفًا أن عائلة دقلو وجدت في الإمارات “ملاذًا آمنًا للثروة والنفوذ”.
وأشار إلى أن هذه الشبكة المالية تُستخدم في دعم العمليات الميدانية للجماعة المسلحة داخل السودان، في ظل استمرار الحرب الأهلية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.
ممتلكات فاخرة واستثمارات مثيرة للجدل
التقرير المسرّب من سجلات عقارية أشار إلى أن العقارات المرتبطة بشبكة الدعم السريع في دبي وحدها تبلغ قيمتها نحو 7.4 مليون جنيه إسترليني، بينما تمت إضافة أصول أخرى تعود لأشخاص خاضعين لعقوبات دولية بقيمة 10.3 مليون جنيه إسترليني.
ومن بين هذه الممتلكات، فيلات فاخرة تضم ست غرف نوم قرب مضمار “ميدان” الشهير، تم شراؤها عبر شركة مسجلة في الإمارات تُدعى “برو ديجيَس ريال إستيت مانجمنت”، وهي شركة يُقال إنها مرتبطة بشخص خاضع لعقوبات أمريكية بسبب تورطه في تمويل وتسليح الدعم السريع.
كما كشف التحقيق أن أفراد عائلة دقلو يقيمون داخل مجمعات سكنية فاخرة في دبي، في حين اشترت زوجة حميدتي قطعة أرض بقيمة 627 ألف جنيه إسترليني بالقرب من “نادي ترامب الدولي للغولف” بعد أشهر من اندلاع الحرب في السودان.
عقارات داخل معالم عالمية
ولم تتوقف الاستثمارات عند هذا الحد، إذ أظهرت الوثائق أن أحد الشخصيات المرتبطة بالدعم السريع، وهو مصطفى إبراهيم عبد النبي محمد، يمتلك شقة فاخرة داخل برج خليفة بقيمة 516 ألف جنيه إسترليني، ما يعكس حجم التغلغل المالي للشبكة داخل السوق العقاري الإماراتي الفاخر.
اتهامات بجرائم حرب وإبادة
قوات الدعم السريع، التي يقودها حميدتي وإخوانه الخاضعون لعقوبات دولية، تواجه اتهامات خطيرة من الأمم المتحدة والولايات المتحدة بارتكاب جرائم ترقى إلى الإبادة الجماعية، خاصة خلال الهجوم الدموي على مدينة الفاشر في إقليم دارفور.
وبحسب بعثة تحقيق أممية، فإن القوات المسلحة التابعة للدعم السريع ارتكبت عمليات قتل ذات طابع عرقي، إضافة إلى حالات عنف جنسي واسعة النطاق واختفاء قسري خلال السيطرة على المدينة في أواخر أكتوبر.
نفي إماراتي مستمر
ورغم هذه الاتهامات، تواصل الإمارات نفي أي علاقة مباشرة بتسليح أو تمويل أو تقديم دعم لوجستي لقوات الدعم السريع، مؤكدة في بيانات رسمية أنها لا توفر أي دعم عسكري أو مالي لهذه الجماعة.
لكن تقارير متتالية، من بينها تقرير “ذا سنتري” الأخير، تشير إلى استخدام مرتزقة كولومبيين بتمويل إماراتي في العمليات العسكرية داخل السودان، خصوصًا خلال سقوط مدينة الفاشر.
انهيار إنساني غير مسبوق
وفي ظل استمرار الحرب، يعيش السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يحتاج أكثر من 33 مليون شخص من أصل 50 مليون إلى مساعدات عاجلة، بينما يواجه نحو 19 مليون شخص خطر المجاعة.
وتسيطر قوات الدعم السريع على مساحات واسعة من جنوب غرب البلاد، خاصة إقليم دارفور، بعد سيطرتها على مدينة الفاشر في 26 أكتوبر 2025، وسط تقارير عن مجازر واسعة بحق المدنيين الذين لم يتمكنوا من الفرار.
اتهامات دولية متصاعدة
بعثة أممية مستقلة خلصت إلى أن ما جرى في الفاشر يحمل “بصمات إبادة جماعية” ضد مجموعتي الزغاوة والفور، ما يزيد من الضغط الدولي لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وفي المقابل، يستمر أفراد مرتبطون بالدعم السريع في نفي أي مخالفات، مؤكدين أن ممتلكاتهم واستثماراتهم تمت بطرق قانونية، وأن أنشطتهم التجارية مشروعة.
وتشير تقارير أخرى إلى أن الصراع في السودان لم يعد مجرد حرب داخلية، بل أصبح مرتبطًا بتوازنات إقليمية تشمل مصالح في الذهب، والموانئ الاستراتيجية على البحر الأحمر، والأراضي الزراعية، ما يجعل الأزمة أكثر تعقيدًا وتشابكًا مع مصالح قوى خارجية.










