واشنطن – المنشر الإخبارى
كشفت صحيفة “واشنطن بوست” أن مجموعة من أعضاء الكونغرس الأمريكي، ينتمون إلى الحزب الديمقراطي، وجهوا رسالة رسمية إلى إدارة الرئيس دونالد ترامب ووزارة الخارجية، يطالبون فيها بكشف معلومات تتعلق بالقدرات النووية الإسرائيلية، في خطوة تعكس تصاعد الجدل داخل واشنطن بشأن سياسة “الغموض النووي” التي تنتهجها تل أبيب منذ عقود.
وبحسب ما نقلته الصحيفة، فإن الرسالة التي وقعها أكثر من عشرين مشرعًا، بقيادة النائب الديمقراطي خواكين كاسترو، دعت الإدارة الأمريكية إلى الاعتراف بوجود برنامج نووي إسرائيلي، أو على الأقل تقديم معلومات أكثر شفافية حوله، في ظل ما وصفه المشرعون بأنه “واقع استراتيجي لم يعد من الممكن تجاهله” في منطقة الشرق الأوسط.
جدل حول سياسة الصمت الأمريكي
وجاء في نص الرسالة أن “وضع سياسة متماسكة لمنع انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق مع استمرار الصمت الرسمي حول القدرات النووية لإحدى الدول المحورية في الصراع”، في إشارة واضحة إلى إسرائيل.
وأشار المشرعون إلى أن استمرار هذا النهج من قبل واشنطن يضعف مصداقية الولايات المتحدة في ملفات منع الانتشار النووي، خصوصًا في ظل التوترات المتزايدة بين إيران والولايات المتحدة، والحديث المتكرر عن مخاطر التصعيد العسكري في المنطقة.
ويرى أعضاء الكونغرس أن غياب الشفافية حول الملف النووي الإسرائيلي يخلق حالة من “الازدواجية في المعايير”، ويعقّد جهود واشنطن في التعامل مع ملفات الانتشار النووي في الشرق الأوسط، خاصة مع استمرار المواجهات السياسية والعسكرية في أكثر من ساحة إقليمية.
برنامج نووي “غير معلن”
وأشارت “واشنطن بوست” إلى أن إسرائيل تنفي رسميًا امتلاكها أي برنامج للأسلحة النووية، وتلتزم بسياسة الغموض النووي التي تقوم على عدم الاعتراف أو النفي بشكل صريح لامتلاك هذا النوع من الأسلحة.
لكن الصحيفة أوضحت في تقريرها أن البرنامج النووي الإسرائيلي بدأ تطويره بشكل سري منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، بدعم تقني في بعض المراحل، وأنه بحلول أواخر الستينيات أصبح وجوده معروفًا بشكل واسع لدى دوائر الاستخبارات الأمريكية، رغم عدم الإعلان عنه رسميًا.
وأضافت الصحيفة أن هذا الوضع جعل من البرنامج النووي الإسرائيلي “سراً مكشوفًا” في الأوساط الاستخباراتية والسياسية الدولية، لكنه ظل خارج إطار النقاش العلني داخل المؤسسات الرسمية الأمريكية.
مطالب بتفاصيل دقيقة
وطالب المشرعون الأمريكيون إدارة ترامب بتقديم معلومات أكثر تفصيلًا حول قدرات التخصيب النووي الإسرائيلية، ومواقع إنتاج المواد الانشطارية، إضافة إلى توضيح ما إذا كانت إسرائيل قد أبلغت الولايات المتحدة مسبقًا بأي سياسات تتعلق باستخدام محتمل للأسلحة النووية في حالات الصراع.
كما تساءل النواب عن مدى التزام إسرائيل بمعايير الشفافية الدولية، وما إذا كانت هناك آليات رقابة أو تفاهمات أمنية بين واشنطن وتل أبيب بشأن هذا الملف شديد الحساسية.
وأكدت الرسالة أن هذه التساؤلات تأتي في إطار “الحرص على تعزيز نظام منع الانتشار النووي عالميًا”، وليس بهدف التصعيد السياسي، مشيرة إلى أن استمرار الغموض قد يؤدي إلى تقويض الجهود الدولية الرامية للحد من انتشار الأسلحة النووية.
انعكاسات إقليمية
ويرى مراقبون أن هذه التطورات داخل الكونغرس تأتي في وقت حساس للغاية، حيث يشهد الشرق الأوسط توترات متصاعدة على خلفية الصراع الإيراني الأمريكي، والحديث المتزايد عن احتمالات تصعيد عسكري في أكثر من جبهة.
ويعتبر بعض المحللين أن فتح ملف البرنامج النووي الإسرائيلي داخل المؤسسات الأمريكية قد يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد الإقليمي، خاصة في ظل حساسية هذا الملف بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية وعلاقاتها الاستراتيجية مع إسرائيل.
كما يربط آخرون بين هذه الدعوات وبين تصاعد النقاش داخل الولايات المتحدة حول أولويات السياسة الخارجية، وضرورة مراجعة بعض المسلمات التقليدية التي حكمت العلاقة مع الحلفاء في الشرق الأوسط لعقود طويلة.
صمت رسمي مستمر
حتى الآن، لم تصدر إدارة ترامب أو وزارة الخارجية الأمريكية أي تعليق رسمي على مضمون الرسالة، فيما تواصل واشنطن التمسك بسياسة عدم التعليق على القدرات النووية الإسرائيلية.
وفي المقابل، تواصل إسرائيل رفضها الاعتراف بامتلاك أي أسلحة نووية، وتؤكد أن موقفها يهدف إلى الحفاظ على التوازن الاستراتيجي في المنطقة.
لكن الضغوط المتزايدة داخل الكونغرس تشير إلى أن هذا الملف قد يعود إلى واجهة النقاش السياسي في واشنطن، خصوصًا إذا استمرت التوترات الإقليمية في التصاعد، وارتبطت بملفات الأمن النووي ومنع الانتشار.
يعكس هذا التحرك من جانب أعضاء الكونغرس الديمقراطيين تحولات ملحوظة في الخطاب السياسي الأمريكي تجاه الملفات الحساسة في الشرق الأوسط، حيث لم يعد الغموض النووي الإسرائيلي بمنأى عن النقاش العلني داخل المؤسسات التشريعية.
ومع استمرار التوترات الإقليمية، يبدو أن ملف الأسلحة النووية في المنطقة مرشح للبقاء في دائرة الضوء، باعتباره أحد أكثر القضايا تعقيدًا وتأثيرًا على مستقبل الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والعالم.










