بيروت – المنشر الإخبارى
في خضم التصعيد الإقليمي المتسارع والحرب الممتدة بين إسرائيل ومحور المقاومة، عاد حزب الله اللبناني إلى واجهة المشهد العسكري بصورة مختلفة تمامًا عن تلك التي حاولت الرواية الغربية والإسرائيلية تكريسها خلال العامين الماضيين. فبعد أشهر من الحديث عن “انهيار الحزب” وتراجع قدراته العسكرية إثر الاغتيالات والخسائر الميدانية، كشفت المواجهات الأخيرة أن التنظيم لم يختفِ، بل أعاد بناء نفسه وفق عقيدة قتالية جديدة أكثر مرونة وتعقيدًا.
ويرى محللون عسكريون أن حزب الله لم يعد يعتمد فقط على نموذج “حرب العصابات” التقليدي الذي اشتهر به منذ الثمانينيات، ولا على نموذج “الجيش شبه النظامي” الذي توسع فيه خلال الحرب السورية، بل بات يتحرك وفق صيغة هجينة تمزج بين الاستنزاف طويل الأمد، والضربات الدقيقة، والقيادة اللامركزية، والوحدات الصغيرة عالية التأثير.
الرواية الإسرائيلية.. بين الدعاية والواقع
خلال الفترة التي أعقبت حرب 2024، سادت رواية إعلامية وسياسية في الغرب وإسرائيل مفادها أن حزب الله تعرض لضربة قاصمة أفقدته قدرته على القتال الفعال، خصوصًا بعد اغتيال عدد كبير من قياداته العسكرية والأمنية، وتدمير أجزاء من ترسانته، وسقوط مئات المقاتلين.
كما تعرض الحزب لضغط سياسي داخلي كبير في بيروت، مع تصاعد حملات القوى المدعومة غربيًا للمطالبة بنزع سلاحه وتحجيم نفوذه العسكري والسياسي.
لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن تلك الرواية كانت أقرب إلى حرب نفسية واسعة النطاق، هدفت إلى تصوير الحزب باعتباره قوة منهكة وغير قادرة على خوض مواجهة طويلة. وبينما اعتقدت إسرائيل أن الحزب بات في أضعف حالاته، كانت قيادته تعيد بناء استراتيجيتها العسكرية استعدادًا لجولة أكثر تعقيدًا.
تفكيك القوة التقليدية وإعادة بناء الوحدات الصغيرة
أحد أبرز التحولات التي شهدها حزب الله تمثل في إعادة هيكلة قواته الميدانية. فبعد سنوات من الاعتماد على تشكيلات كبيرة نسبيًا خلال الحرب في سوريا والعراق، اكتشف الحزب أن الحشود العسكرية الكبيرة أصبحت أهدافًا سهلة أمام الطائرات المسيرة وأنظمة الرصد والاستخبارات الإسرائيلية المتطورة.
ولهذا، اتجه إلى تفكيك وحداته الكبيرة وتحويلها إلى مجموعات صغيرة متخصصة تعمل باستقلالية عالية. هذه الفرق باتت تتكون من عناصر مدربة على مهام دقيقة، مثل تشغيل طائرات FPV الانتحارية، وزرع الكمائن، وتنفيذ التسللات السريعة، والضربات المحددة.
الميزة الرئيسية لهذه الوحدات الصغيرة أنها أكثر قدرة على التخفي والحركة، وأقل عرضة للاستهداف الجماعي. كما أن خسارة مجموعة صغيرة لا تؤثر على البنية العامة للحزب كما كان يحدث في المواجهات التقليدية.
هذا التحول لم يعنِ التخلي الكامل عن البنية العسكرية الكبرى، بل خلق نموذج متعدد الطبقات؛ حيث تعمل الفرق الصغيرة ضمن إطار استراتيجي موحد، لكن بمرونة تكتيكية واسعة.
القيادة اللامركزية.. حزب الله يوزع القرار العسكري
التحول الثاني تمثل في تطوير نموذج قيادة لا مركزي، بعد أن أثبتت الحرب الأخيرة أن مراكز القيادة التقليدية أصبحت أهدافًا سهلة للاغتيالات والهجمات السيبرانية والتشويش الإلكتروني.
ومن هنا، بدأ الحزب يمنح القادة الميدانيين صلاحيات أوسع لاتخاذ القرار الفوري دون انتظار أوامر مركزية تفصيلية. هذه العقيدة الجديدة تسمح للوحدات الصغيرة بالتصرف بسرعة وفق تطورات الميدان، ما يرفع من سرعة الاستجابة ويعقد مهمة الجيش الإسرائيلي في شل العمليات.
كما أن اللامركزية تجعل اغتيال القيادات أقل تأثيرًا على سير المعركة، لأن كل وحدة باتت تمتلك قدرة مستقلة على مواصلة القتال حتى في حال انقطاع الاتصال بالمستويات العليا.
ويرى خبراء عسكريون أن هذا النموذج قريب من أساليب الحروب الحديثة التي تعتمد على “الشبكات القتالية” بدل الجيوش الهرمية الكلاسيكية، وهو ما يمنح حزب الله مرونة أكبر في بيئات الحرب المعقدة.
من كثافة النيران إلى “النتائج الدقيقة”
في الحروب السابقة، اعتمد حزب الله بشكل كبير على إطلاق كميات ضخمة من الصواريخ قصيرة المدى لاستنزاف إسرائيل نفسيًا وعسكريًا. لكن تطور أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية، مثل القبة الحديدية، فرض على الحزب مراجعة هذا الأسلوب.
التحول الجديد يقوم على “النتيجة لا العدد”، أي التركيز على ضرب أهداف تحدث تأثيرًا استراتيجيًا بدل إطلاق آلاف الصواريخ دون مردود حاسم.
ولهذا، زاد الحزب من اعتماده على الطائرات المسيرة الدقيقة، والصواريخ الموجهة، والضربات المركزة ضد مراكز القيادة والرادارات وخطوط الإمداد.
هذا الأسلوب يحقق تأثيرًا أكبر بتكلفة أقل، خصوصًا في ظل الضغوط اللوجستية والعقوبات التي تعيق عمليات التزود بالسلاح والذخائر.
كما أن التركيز على الأهداف الحساسة يخلق ضغطًا سياسيًا وعسكريًا على إسرائيل، بدل الاكتفاء بإحداث تأثير إعلامي مؤقت.
التخلي عن “الدفاع الثابت” واعتماد الاستنزاف الطويل
من أهم التغيرات الاستراتيجية أيضًا تراجع الحزب عن فكرة “التمسك بالأرض مهما كان الثمن”، وهي العقيدة التي برزت بقوة خلال حرب 2006، خاصة في معركة بنت جبيل.
الحزب بات يدرك أن الدفاع الثابت أمام قوة نارية إسرائيلية هائلة قد يؤدي إلى استنزاف كبير في الأرواح والقدرات، ولذلك تحول إلى نموذج يقوم على الحركة المستمرة والاستنزاف التدريجي.
وبحسب هذا النموذج، فإن خسارة قرية أو منطقة لا تعني الهزيمة، طالما أن القوات الإسرائيلية ستبقى معرضة لهجمات مستمرة تمنعها من تثبيت سيطرتها الكاملة.
ويرى الحزب أن الجنوب اللبناني يجب أن يتحول إلى “منطقة قتل واستنزاف” للقوات الإسرائيلية، بحيث يصبح الاحتلال مكلفًا بشريًا وعسكريًا على المدى الطويل.
هذا التكتيك يعيد إلى الأذهان أساليب المقاومة اللبنانية خلال الثمانينيات والتسعينيات، عندما اعتمدت على حرب الاستنزاف ضد الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب حتى انسحابه عام 2000.
جيل جديد بعد اغتيال القيادات التاريخية
ربما كانت أكبر ضربة تعرض لها الحزب في السنوات الأخيرة هي فقدان جزء كبير من قياداته التاريخية، وعلى رأسهم الأمين العام السابق السيد حسن نصر الله، الذي شكل لعقود رمزًا للمقاومة اللبنانية ومحورًا أساسيًا في معادلة الردع مع إسرائيل.
لكن رغم حجم الخسائر، تمكن الحزب من تسريع عملية الإحلال القيادي، عبر الدفع بقيادات شابة تربت في بيئات قتالية مختلفة عن جيل الثمانينيات والتسعينيات.
الجيل الجديد أكثر انفتاحًا على استخدام التكنولوجيا والطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية، وأقل ارتباطًا بالعقائد العسكرية القديمة.
كما أن الحرب الأخيرة دفعت الحزب إلى منح القادة الشباب مساحة أوسع للمبادرة واتخاذ القرار، ما خلق ديناميكية مختلفة داخل الهيكل العسكري.
ويرى مراقبون أن نجاح الحزب في تجاوز أزمة اغتيال قياداته يعكس قوة بنيته التنظيمية وقدرته على إعادة إنتاج نفسه رغم الضربات المتتالية.
حرب طويلة لا معركة فاصلة
التحولات الخمسة التي أعاد حزب الله بناء نفسه من خلالها تكشف أن الحزب لم يعد يبحث عن “نصر تقليدي” بالمعنى الكلاسيكي، بل عن قدرة طويلة الأمد على الاستنزاف والبقاء وفرض الكلفة على خصومه.
فبدل خوض معارك حاسمة واسعة، يبدو أن الاستراتيجية الجديدة تقوم على إنهاك إسرائيل تدريجيًا، وتحويل أي وجود عسكري لها داخل الأراضي اللبنانية إلى عبء دائم.
كما أن اعتماد الوحدات الصغيرة والطائرات المسيرة والقيادة اللامركزية يجعل القضاء الكامل على الحزب مهمة شديدة التعقيد، حتى مع التفوق التكنولوجي والعسكري الإسرائيلي.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو المواجهة المقبلة مختلفة جذريًا عن الحروب السابقة، حيث لم تعد القوة النارية وحدها كافية لحسم الصراع، بل أصبحت المرونة والقدرة على التكيف والاستنزاف عوامل حاسمة في تحديد موازين القوة.










