واشنطن- المنشر الإخبارى
في خطوة قد تُحدث تحولًا نادرًا داخل المشهد السياسي الأمريكي، بدأ عدد من النواب الديمقراطيين في مجلس النواب الأمريكي كسر واحد من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، عبر المطالبة رسميًا بالكشف عن معلومات تتعلق بالترسانة النووية الإسرائيلية، بعد عقود من الصمت السياسي والتجاهل المتعمد.
التحرك الجديد جاء من خلال رسالة وُجهت إلى وزير الخارجية الأمريكي، طالبت الإدارة الأمريكية بتوضيح موقفها من الأسلحة النووية الإسرائيلية، في وقت تواجه فيه واشنطن اتهامات بازدواجية المعايير في التعامل مع ملفات الانتشار النووي في الشرق الأوسط.
ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها مؤشرًا على تصاعد الجدل داخل الأوساط السياسية الأمريكية بشأن الدعم غير المشروط لإسرائيل، خاصة في ظل التوترات الإقليمية والحرب الأخيرة على إيران، التي أعادت ملف التسلح النووي في المنطقة إلى الواجهة مجددًا.
ملف ظل “محظورًا” لعقود
رغم أن امتلاك إسرائيل للسلاح النووي يُعد من أكثر الأسرار المكشوفة في السياسة الدولية، فإن الإدارات الأمريكية المتعاقبة التزمت لعقود طويلة بسياسة “الغموض المتعمد”، عبر الامتناع عن الاعتراف الرسمي بامتلاك تل أبيب لترسانة نووية.
هذه السياسة لم تكن مجرد موقف دبلوماسي، بل تحولت إلى جزء من التفاهمات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تجنبت واشنطن طرح الملف علنًا أو إخضاع إسرائيل لأي ضغوط تتعلق بالرقابة الدولية أو اتفاقيات حظر الانتشار النووي.
في المقابل، كانت الولايات المتحدة تتبنى مواقف شديدة الصرامة تجاه برامج نووية أخرى في المنطقة، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني، ما أثار انتقادات واسعة بشأن المعايير المزدوجة في السياسة الأمريكية.
رسالة ديمقراطية تكسر الصمت
الرسالة التي بعث بها نواب ديمقراطيون إلى وزارة الخارجية الأمريكية اعتُبرت تطورًا لافتًا، لأنها تمثل خروجًا نسبيًا عن النهج التقليدي داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، اللذين تجنبا تاريخيًا الاقتراب من ملف السلاح النووي الإسرائيلي.
ويرى مراقبون أن التحرك يعكس تصاعد تيار داخل الحزب الديمقراطي يطالب بإعادة تقييم طبيعة الدعم الأمريكي لإسرائيل، وربط هذا الدعم بقضايا تتعلق بالقانون الدولي والشفافية وحقوق الإنسان.
كما تأتي الرسالة في توقيت حساس تشهد فيه المنطقة حالة استقطاب غير مسبوقة، مع تصاعد الانتقادات الدولية للحرب الإسرائيلية على غزة، واستمرار التوترات المرتبطة بإيران ومضيق هرمز.
ازدواجية المعايير تحت المجهر
الجدل الذي أثارته الرسالة لا يتعلق فقط بإسرائيل، بل يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول السياسة النووية الأمريكية في الشرق الأوسط.
فواشنطن، التي قادت لعقود حملات دولية ضد دول اتهمتها بالسعي لامتلاك أسلحة نووية، التزمت في الوقت ذاته بالصمت تجاه الترسانة الإسرائيلية، رغم التقديرات التي تشير إلى امتلاك تل أبيب عشرات الرؤوس النووية.
ويرى منتقدو السياسة الأمريكية أن هذا التناقض أضعف مصداقية واشنطن في ملفات منع الانتشار النووي، وأسهم في تعميق حالة انعدام الثقة داخل المنطقة.
كما يعتبر البعض أن استمرار “الاستثناء الإسرائيلي” ساهم في تعزيز سباقات التسلح الإقليمي، ودفع قوى إقليمية إلى البحث عن أدوات ردع موازية.
ترسانة خارج الرقابة الدولية
إسرائيل ليست عضوًا في معاهدة حظر الانتشار النووي، كما أنها لا تسمح برقابة دولية كاملة على منشآتها النووية، وعلى رأسها مفاعل ديمونة، الذي لطالما ارتبط بتطوير البرنامج النووي الإسرائيلي.
ورغم ذلك، حافظت الحكومات الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، على سياسة تجنب المواجهة المباشرة مع تل أبيب بشأن هذا الملف.
ويعتقد خبراء أن هذه السياسة تعود إلى اعتبارات استراتيجية تتعلق بضمان “التفوق العسكري النوعي” لإسرائيل في المنطقة، إضافة إلى النفوذ السياسي القوي للوبيات المؤيدة لها داخل الولايات المتحدة.
لكن التحولات الأخيرة داخل الرأي العام الأمريكي، خاصة بين الشباب والتيارات التقدمية، بدأت تفرض نقاشات جديدة حول حدود هذا الدعم التقليدي.
الحرب على إيران أعادت الملف إلى الواجهة
الحديث عن السلاح النووي الإسرائيلي تصاعد بشكل ملحوظ بعد الحرب الأخيرة على إيران، خاصة مع تكرار الخطاب الأمريكي والإسرائيلي الذي برر المواجهة بالخطر النووي الإيراني.
غير أن مسؤولين أمريكيين سابقين، بينهم شخصيات استخباراتية، كشفوا لاحقًا أن التقديرات الأمنية الأمريكية لم تكن ترى أن إيران تطور سلاحًا نوويًا بشكل فعلي قبل الحرب، ما أعاد توجيه الأنظار نحو الترسانة النووية الإسرائيلية غير المعلنة.
ويرى محللون أن هذا التناقض ساهم في زيادة الضغوط داخل الولايات المتحدة للمطالبة بنقاش أكثر شفافية حول الملف النووي في الشرق الأوسط، بعيدًا عن الاستثناءات السياسية التقليدية.
انقسام متزايد داخل واشنطن
التحرك الديمقراطي يعكس أيضًا الانقسام المتزايد داخل المؤسسة السياسية الأمريكية بشأن العلاقة مع إسرائيل.
ففي حين ما تزال قيادات تقليدية في الحزبين تدافع عن الدعم المطلق لتل أبيب، بدأت أصوات أخرى تطالب بسياسات أكثر توازنًا، خاصة مع تزايد الانتقادات الدولية للممارسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية.
كما أن استمرار الحروب والتوترات الإقليمية دفع بعض النواب الأمريكيين إلى التساؤل حول كلفة الانحياز الأمريكي غير المحدود لإسرائيل، سواء سياسيًا أو اقتصاديًا أو أمنيًا.
ويعتقد مراقبون أن فتح ملف السلاح النووي الإسرائيلي، حتى لو بشكل محدود، قد يمثل بداية لتحولات أعمق في النقاش السياسي الأمريكي خلال السنوات المقبلة.
هل يتغير الموقف الأمريكي؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات على أن الإدارة الأمريكية الحالية مستعدة لتغيير سياستها التقليدية تجاه الترسانة النووية الإسرائيلية.
لكن مجرد طرح القضية علنًا داخل الكونغرس يُعد تطورًا غير مألوف، خاصة في ظل الحساسية الكبيرة التي تحيط بالعلاقة الأمريكية الإسرائيلية.
ويرى محللون أن هذا النوع من الضغوط قد لا يؤدي سريعًا إلى تغيير رسمي، لكنه قد يفتح الباب تدريجيًا أمام نقاشات أوسع حول مستقبل الأمن الإقليمي، وسياسات الردع النووي، وحدود الدعم الأمريكي لحلفائه في الشرق الأوسط.










