واشنطن – المنشر الإخبارى
في تطور قد يعيد فتح الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن خلفيات الحرب الأخيرة على إيران، كشف مسؤول أمريكي استخباراتي سابق أن مجتمع الاستخبارات الأمريكي كان متفقًا قبل اندلاع الحرب على أن طهران لا تعمل على تطوير سلاح نووي، معتبرًا أن الضغوط والرواية الإسرائيلية لعبتا الدور الحاسم في دفع واشنطن نحو المواجهة العسكرية.
وجاءت التصريحات على لسان جو كينت، المدير السابق للمركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب، الذي أكد أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية، بما فيها وكالة الاستخبارات المركزية CIA، خلصت قبل الحرب إلى أن إيران لا تمتلك برنامجًا نشطًا لتطوير قنبلة نووية، وأن أي هجوم أمريكي أو إسرائيلي على طهران كان سيؤدي إلى ردود واسعة تشمل استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز.
اعتراف يضرب مبررات الحرب
تصريحات كينت أعادت إلى الواجهة التساؤلات القديمة حول حقيقة المبررات التي استخدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل لشن الحرب ضد إيران في فبراير 2026، خاصة أن الخطاب السياسي والإعلامي آنذاك ركز بصورة كبيرة على “الخطر النووي الإيراني” باعتباره التهديد الأكثر إلحاحًا للأمن الإقليمي والدولي.
لكن المسؤول الأمريكي السابق قال بوضوح إن التقييمات الاستخباراتية لم تكن ترى أن إيران بصدد تصنيع قنبلة نووية، مضيفًا أن المؤسسات الأمنية الأمريكية حذرت أيضًا من التداعيات المحتملة لأي مواجهة عسكرية، بما في ذلك التصعيد الإقليمي وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز.
وأوضح كينت أن التقديرات الاستخباراتية كانت دقيقة ومهنية، لكنها لم تنجح في مواجهة ما وصفه بـ”الرواية السياسية” التي دفعت الولايات المتحدة نحو الحرب.
اتهام مباشر لإسرائيل
أخطر ما حملته تصريحات كينت كان اتهامه المباشر لإسرائيل بالتأثير على القرار الأمريكي والدفع باتجاه الحرب.
وقال إن “السردية والأجندة التي صاغتها حكومة أجنبية، في إشارة إلى إسرائيل، هي التي انتصرت في النهاية ودفعت الولايات المتحدة إلى هذه الحرب”.
ويرى مراقبون أن هذا التصريح يمثل واحدة من أكثر الاتهامات وضوحًا التي يوجهها مسؤول أمريكي سابق إلى تل أبيب بشأن دورها في التأثير على السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة في الملفات المتعلقة بإيران.
كما تعكس التصريحات حجم الانقسام داخل المؤسسات الأمريكية بشأن طبيعة العلاقة مع إسرائيل وحدود تأثير اللوبيات الداعمة لها في واشنطن.
استقالة احتجاجية بسبب الحرب
جو كينت لم يكتفِ بالكشف عن تفاصيل الخلاف داخل المؤسسة الأمريكية، بل كان قد استقال بالفعل من منصبه في مارس الماضي احتجاجًا على الحرب.
وفي رسالة استقالته آنذاك، قال إنه لا يستطيع “دعم الحرب على إيران أخلاقيًا أو سياسيًا”، معتبرًا أن طهران لم تكن تشكل تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة.
وأشار إلى أن الحرب جاءت نتيجة ضغوط إسرائيلية وتحركات جماعات ضغط نافذة داخل واشنطن، وليس نتيجة تهديد وشيك للأمن القومي الأمريكي.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأن كينت كان يشغل منصبًا حساسًا داخل منظومة الأمن القومي الأمريكي، ما يمنحه اطلاعًا مباشرًا على التقييمات الاستخباراتية والنقاشات الداخلية المتعلقة بإيران.
الاستخبارات حذرت من إغلاق مضيق هرمز
بحسب كينت، فإن أجهزة الاستخبارات الأمريكية كانت تتوقع مسبقًا أن يؤدي أي هجوم على إيران إلى ردود عسكرية واسعة تشمل استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط عالميًا.
وبالفعل، شهدت المنطقة بعد اندلاع الحرب تصعيدًا خطيرًا في الخليج العربي، مع تشديد إيران سيطرتها على المضيق وفرض قيود على حركة السفن المرتبطة بالدول المشاركة في الحرب.
كما تعرضت قواعد ومصالح أمريكية وإسرائيلية في عدة دول بالمنطقة لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة، ما أدى إلى تصاعد المخاوف من تحول المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة.
تقوية التيار المتشدد داخل إيران
من النقاط اللافتة أيضًا في تصريحات المسؤول الأمريكي السابق، تأكيده أن أجهزة الاستخبارات كانت ترى أن استهداف القيادة الإيرانية سيؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها تعزيز نفوذ التيار المتشدد داخل إيران وزيادة تماسك النظام السياسي بدل إضعافه.
وقال إن التقديرات الاستخباراتية حذرت مسبقًا من أن الحرب ستمنح القيادة الإيرانية فرصة لحشد الشارع داخليًا ضد “العدوان الخارجي”، وهو ما حدث بالفعل مع تصاعد الخطاب التعبوي داخل البلاد خلال الحرب.
ويرى محللون أن هذه النقطة تعكس إدراكًا أمريكيًا متزايدًا لفشل سياسات “الضغط الأقصى” في تغيير سلوك إيران أو دفعها إلى الانهيار الداخلي.
جدل سياسي متصاعد في واشنطن
تصريحات كينت تأتي في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة نقاشًا واسعًا حول تداعيات الحرب على إيران، خاصة بعد الخسائر الاقتصادية والعسكرية التي ترتبت عليها، وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وتصاعد الانتقادات داخل الكونغرس بشأن غياب استراتيجية واضحة للصراع.
كما سبق لعدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، بينهم شخصيات بارزة، أن انتقدوا الحرب واعتبروا أنها جاءت استجابة لأجندة إسرائيلية أكثر من كونها دفاعًا عن المصالح الأمريكية.
ويرى منتقدو الحرب أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تجاهلت التحذيرات الاستخباراتية ودخلت في مواجهة عسكرية مكلفة دون وجود تهديد نووي وشيك من إيران.
مستقبل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية تحت المجهر
الاعترافات الأخيرة قد تعمق الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن طبيعة العلاقة مع إسرائيل، خاصة مع تزايد الأصوات التي تطالب بمراجعة مستوى الانخراط الأمريكي في الصراعات المرتبطة بسياسات تل أبيب الإقليمية.
وفي المقابل، يرى داعمو إسرائيل أن طهران ما زالت تمثل تهديدًا استراتيجيًا، حتى في حال عدم امتلاكها برنامجًا نوويًا نشطًا، بسبب نفوذها العسكري والإقليمي المتزايد.
لكن الواضح أن تصريحات مسؤول بحجم جو كينت ستضيف مزيدًا من الضغط على الإدارة الأمريكية، خصوصًا مع استمرار التساؤلات حول حقيقة المعلومات التي بُني عليها قرار الحرب.










