باريس تتحرك نحو مرحلة جديدة من الرقابة المالية والتشريعات الصارمة لتقييد التمويل وشبكات النفوذ
باريس – المنشر الإخبارى
تدخل فرنسا مرحلة جديدة من المواجهة مع ما تصفه السلطات بـ«شبكات الإخوان» داخل البلاد وخارجها، مع تصاعد توجه حكومي نحو تبني سياسة أكثر تشددًا تقوم على “تجفيف المنابع” المالية ومراقبة الأنشطة التنظيمية والجمعياتية، في إطار مقاربة تعتبرها باريس ضرورية لحماية الأمن الداخلي ومواجهة ما تسميه “التغلغل غير المباشر” داخل المجتمع الأوروبي.
وبحسب مصادر حكومية فرنسية، فإن التحركات الجارية لا تقتصر على البعد الأمني التقليدي، بل تشمل حزمة واسعة من الإجراءات التشريعية والمالية والتقنية، تستهدف تتبع مصادر التمويل، بما في ذلك التحويلات عبر البنوك والمنصات الرقمية والعملات المشفرة، إلى جانب تشديد الرقابة على الجمعيات والمنظمات غير الحكومية التي يُشتبه في ارتباطها بشبكات أوسع عابرة للحدود.
وتشير هذه المصادر إلى أن باريس تتجه نحو “نموذج رقابي متكامل”، يجمع بين الأجهزة الأمنية والمالية والقضائية، بهدف سد الثغرات التي يُعتقد أنها سمحت خلال السنوات الماضية بتمدد بعض الشبكات داخل المجتمع الفرنسي والأوروبي.
تحول في المقاربة الأمنية الفرنسية
هذا التصعيد يأتي في سياق تحول أوسع في المقاربة الفرنسية تجاه قضايا التطرف والإسلام السياسي، حيث لم تعد النقاشات مقتصرة على الجماعات المسلحة أو التهديدات المباشرة، بل امتدت إلى ما تصفه السلطات بـ«النفوذ الناعم» داخل الجامعات والعمل الأهلي والمجتمع المدني.
وترى دوائر رسمية أن هذا النفوذ لا يُمارس بشكل مباشر أو صدامي، بل عبر أدوات اجتماعية وثقافية وتعليمية، ما يجعل رصده والتعامل معه أكثر تعقيدًا، ويدفع باتجاه إعادة صياغة أدوات الدولة في التعامل مع هذا الملف.
وفي هذا السياق، تتزايد الدعوات داخل دوائر صنع القرار في باريس لاعتماد سياسة أكثر حسمًا تجاه الجمعيات ذات الطابع الديني أو السياسي التي تتلقى تمويلات خارجية أو تعمل ضمن شبكات تنظيمية متعددة المستويات.
الجامعات والجمعيات في دائرة التدقيق
تشير تقارير أمنية فرنسية إلى أن بعض الجامعات والاتحادات الطلابية أصبحت خلال السنوات الأخيرة ساحة لنقاشات حادة حول الهوية والنفوذ السياسي، وهو ما دفع السلطات إلى تعزيز الرقابة على الأنشطة الطلابية والتمويلات المرتبطة بها.
كما يجري التدقيق بشكل أوسع في أنشطة الجمعيات المحلية، خاصة تلك التي تعمل في مجالات الإغاثة أو العمل الاجتماعي، وسط مخاوف من استخدامها كغطاء لأنشطة سياسية أو تنظيمية.
وتؤكد مصادر مطلعة أن الحكومة الفرنسية تعمل على إعادة هيكلة الإطار القانوني المنظم لعمل الجمعيات، بما يمنح الدولة صلاحيات أوسع في التدقيق المالي والإداري، مع إمكانية تجميد أو حل أي كيان يثبت تورطه في تجاوزات مالية أو تنظيمية.
مشروع قانون يعيد تعريف “الإسلام السياسي”
على المستوى التشريعي، يبرز مشروع قانون جديد قدمه وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو ريتايو، والذي يهدف إلى مواجهة ما يُعرف بـ«الإسلام السياسي»، باعتباره مشروعًا طويل الأمد للتأثير داخل البنية الاجتماعية والسياسية الفرنسية.
ويحظى المشروع بدعم واسع داخل مجلس الشيوخ، حيث اعتبره مؤيدوه خطوة ضرورية لحماية “القيم الجمهورية” ومواجهة أي محاولات لاستغلال الديمقراطية الفرنسية لأهداف تنظيمية.
في المقابل، يثير المشروع جدلاً واسعًا في الأوساط الحقوقية والسياسية، حيث يحذر معارضوه من أن التوسع في تعريف التهديد قد يؤدي إلى خلط بين العمل الديني المشروع والنشاط السياسي، ما قد يفتح الباب أمام إشكاليات قانونية ودستورية.
“تجفيف المنابع” في قلب الاستراتيجية الجديدة
تتمحور الاستراتيجية الفرنسية الجديدة حول مفهوم “تجفيف المنابع”، وهو مصطلح يشير إلى قطع أو تقليص مصادر التمويل التي يُعتقد أنها تغذي شبكات النفوذ والتنظيم.
وتشمل هذه السياسة تعزيز الرقابة على التحويلات المالية، وتوسيع صلاحيات تتبع الأموال عبر الحدود، إضافة إلى تشديد القيود على التمويلات الأجنبية للجمعيات والمؤسسات غير الحكومية.
ويرى خبراء أن هذه المقاربة تعكس تحولًا نوعيًا في التفكير الأمني الفرنسي، من التركيز على رد الفعل إلى استهداف البنية التحتية المالية والتنظيمية لأي نشاط تعتبره الدولة تهديدًا محتملًا.
جدل داخلي حول الحريات والرقابة
ورغم الزخم السياسي الذي تحظى به هذه الإجراءات، إلا أنها تثير نقاشًا داخليًا واسعًا في فرنسا حول حدود الحريات العامة والتوازن بين الأمن وحقوق الإنسان.
فبينما ترى الحكومة أن هذه الإجراءات ضرورية لمواجهة تهديدات معقدة، يحذر منتقدون من أن التوسع في أدوات الرقابة قد يؤدي إلى تضييق على العمل المدني وتقييد حرية التنظيم والتعبير.
كما يثير المشروع مخاوف من احتمال استخدامه في سياقات سياسية داخلية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، ما قد يحول الملف إلى أداة جدل سياسي أكثر من كونه سياسة أمنية مستقرة.
نحو مرحلة أوروبية أوسع
لا يقتصر التحرك الفرنسي على الداخل فقط، بل يمتد ليشمل التنسيق مع شركاء أوروبيين، في إطار توجه أوسع داخل الاتحاد الأوروبي نحو تشديد الرقابة على التمويلات العابرة للحدود.
وتسعى باريس إلى طرح مقاربتها في المؤتمر الوزاري الدولي المقبل «لا أموال للإرهاب»، بهدف تعزيز التعاون الدولي في تتبع الشبكات المالية ومنع استخدام النظام المالي العالمي في دعم أنشطة غير قانونية.
ويرى مراقبون أن فرنسا تتحرك نحو لعب دور قيادي داخل أوروبا في هذا الملف، بما قد يفتح الباب أمام سياسات أوروبية أكثر صرامة خلال السنوات المقبلة.
بين التصعيد التشريعي، وتشديد الرقابة المالية، وتوسيع أدوات الدولة الأمنية، تبدو فرنسا أمام مرحلة جديدة من التعامل مع ملف شبكات الإخوان، تقوم على مبدأ “المواجهة الشاملة” بدلًا من المقاربة التقليدية.
ومع استمرار الجدل السياسي والقانوني داخل البلاد، يبقى السؤال الأبرز: هل تنجح باريس في تحقيق التوازن بين الأمن الداخلي والحريات العامة، أم أن هذه الحرب الجديدة ستفتح نقاشًا أوسع داخل أوروبا حول حدود الدولة في مواجهة التنظيمات العابرة للحدود؟










