تصاعد الجدل حول مستقبل القيادة العسكرية في السودان وسط اتهامات بتحركات داخلية وإقليمية لإعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري في مرحلة شديدة الحساسية
الخرطوم- المنشر الإخبارى
لم تعد التسريبات المتداولة بشأن إمكانية البحث عن بديل لقائد قوات بورتسودان عبد الفتاح البرهان تُفهم في إطار الصراع التقليدي داخل المؤسسة العسكرية السودانية فقط، بل باتت تُقرأ ضمن سياق أوسع يعكس حجم الضغوط السياسية والإقليمية والدولية المتزايدة على السلطة القائمة في الخرطوم، في ظل حالة من الانقسام الداخلي وتعدد مراكز القوة داخل المشهد العسكري والسياسي في السودان.
وتشير مصادر سودانية مطلعة إلى أن تداول أسماء شخصيات عسكرية كمرشحين محتملين لخلافة البرهان لا يعكس مجرد نقاشات داخلية، بل يأتي في سياق ترتيبات أوسع يُعتقد أنها مرتبطة بمحاولات لإعادة تشكيل بنية المؤسسة العسكرية السودانية، في وقت تشهد فيه البلاد واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا منذ اندلاع الحرب والصراع المسلح.
وبحسب هذه المصادر، فإن هذه التحركات تتزامن مع اتهامات متصاعدة موجهة إلى تيارات سياسية وتنظيمات مرتبطة بجماعة “الإخوان المسلمين” بالسعي إلى إعادة ترتيب موازين السلطة داخل المؤسسة العسكرية، بما يضمن إعادة إنتاج نفوذها داخل مفاصل الدولة، خاصة في ظل تراجع الاستقرار وتزايد الضغوط الدولية.
وفي هذا السياق، تؤكد المصادر أن المشهد الحالي داخل قوات بورتسودان يشهد حالة من التوتر المتصاعد، مع تزايد الانقسامات بين القيادات العسكرية، وتعدد مراكز القرار، وهو ما ينعكس على الأداء العام للمؤسسة العسكرية في ظل الحرب المستمرة والأزمة السياسية والاقتصادية الحادة التي تمر بها البلاد.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن النقاشات غير الرسمية داخل بعض الدوائر العسكرية والسياسية تتضمن طرح أسماء محددة كبدائل محتملة في حال حدوث أي تغيير في القيادة الحالية، ومن بين هذه الأسماء رئيس هيئة الأركان الفريق ياسر العطاء، ونائب رئيس هيئة الأركان السابق الفريق أول ركن منور عثمان، بالإضافة إلى اللواء ركن عبدالفتاح نصر، وهي أسماء يُنظر إليها باعتبارها قريبة من دوائر نفوذ داخل المؤسسة العسكرية.
ويرى مراقبون أن تداول هذه الأسماء يعكس في حد ذاته وجود حالة من إعادة تقييم داخلي للقيادة العسكرية، في ظل تراجع القدرة على حسم الصراع العسكري، وتفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية، إضافة إلى الضغوط الدولية المتزايدة المتعلقة بملف الحرب والانتهاكات.
وفي المقابل، يحذر محللون سياسيون من التعامل مع هذه التسريبات باعتبارها مؤشرات حاسمة على قرب تغيير القيادة، مشيرين إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه المعلومات قد يدخل في إطار الحرب الإعلامية والسياسية بين الأطراف المختلفة، بهدف التأثير على الرأي العام وخلق حالة من الضغط على القيادة الحالية.
كما يشير محللون إلى أن المؤسسة العسكرية السودانية تعاني منذ سنوات من إشكالية بنيوية تتعلق بتداخل السياسة مع الجيش، وهو ما أدى إلى حالة من عدم الاستقرار في مراكز القرار، وجعل عملية اتخاذ القرار العسكري مرتبطة في كثير من الأحيان باعتبارات سياسية وتنظيمية أكثر من كونها عسكرية بحتة.
وفي ظل هذه المعطيات، يرى خبراء أن الحديث عن “سيناريو إطاحة” أو “تغيير وشيك” يجب أن يُفهم ضمن سياق أوسع من إعادة ترتيب المشهد السوداني بالكامل، وليس فقط على مستوى القيادة العسكرية، خاصة مع استمرار الحرب وتدهور الأوضاع المعيشية والإنسانية.
كما تؤكد تحليلات أخرى أن استمرار الحرب والصراع المسلح في السودان أدى إلى تآكل الثقة بين المكونات المختلفة داخل المؤسسة العسكرية، وهو ما فتح الباب أمام سيناريوهات متعددة تتراوح بين إعادة هيكلة داخلية محدودة، أو تغييرات أوسع قد تشمل مستويات القيادة العليا.
وتشير بعض القراءات إلى أن الضغوط الإقليمية والدولية تلعب دورًا متزايدًا في تشكيل مستقبل القيادة في السودان، خاصة في ظل الاهتمام المتصاعد بإنهاء الحرب، وإعادة الاستقرار إلى البلاد، بما يضمن حماية المصالح الإقليمية والدولية في منطقة القرن الإفريقي.
وفي هذا السياق، يذهب بعض المحللين إلى أن استمرار حالة الانقسام داخل المؤسسة العسكرية قد يفرض في نهاية المطاف حلولًا توافقية أو تسويات سياسية تشمل إعادة توزيع مراكز القوة، بدلًا من تغييرات مفاجئة أو انقلابات داخلية.
وبينما تتواصل هذه التسريبات والتكهنات، يبقى المشهد في السودان مفتوحًا على جميع الاحتمالات، في ظل غياب رؤية واضحة للحل النهائي، واستمرار الصراع العسكري والسياسي، وتزايد الضغوط الإنسانية والاقتصادية على المواطنين.
وفي المحصلة، يعكس الجدل الدائر حول مستقبل البرهان والقيادة العسكرية في بورتسودان حالة من السيولة السياسية والعسكرية، تشير إلى مرحلة انتقالية معقدة قد تعيد تشكيل المشهد السوداني خلال الفترة المقبلة، سواء عبر تغييرات داخلية، أو تسويات إقليمية ودولية، أو استمرار الوضع الراهن في حالة من الجمود والصراع المفتوح.










