تقرير: مباحثات سرية بين واشنطن وبكين وموسكو لإعادة رسم دور المحكمة الجنائية الدولية وتقليص صلاحياتها
واشنطن – المنشر الإخبارى
كشفت صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية، في تقرير وُصف بأنه أحد أكثر التسريبات حساسية خلال العام، عن تحركات دبلوماسية غير معلنة يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تستهدف إعادة صياغة موقع المحكمة الجنائية الدولية في النظام الدولي، عبر تنسيق محتمل بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.
وبحسب ما نقلته الصحيفة عن مصادر مطلعة داخل دوائر سياسية غربية، فإن ترامب طرح خلال اتصالات ومشاورات غير رسمية مع الرئيس الصيني شي جين بينغ فكرة إنشاء “جبهة تنسيق كبرى” بين القوى الثلاث، تهدف إلى تقليص نفوذ المحكمة الجنائية الدولية، والحد من قدرتها على ملاحقة مسؤولين وقادة دول كبرى في قضايا النزاعات الدولية.
وتشير المصادر إلى أن المقترح الأميركي لا يندرج ضمن اتفاق رسمي أو مسار دبلوماسي معلن، بل يأتي في إطار مشاورات سياسية عالية الحساسية، تزامنت مع حراك دولي مكثف على خلفية تصاعد الأزمات الجيوسياسية في أكثر من إقليم، خصوصاً في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط وآسيا.
ويأتي هذا التسريب في توقيت لافت، إذ تزامن مع زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى بكين، وهي زيارة وُصفت بأنها استراتيجية في ظل تعزيز الشراكة الروسية–الصينية، ما فتح الباب أمام تكهنات حول إمكانية طرح ملف المحكمة الجنائية الدولية ضمن نقاشات أوسع بين موسكو وبكين، سواء بشكل مباشر أو عبر قنوات خلفية غير معلنة.
وبحسب التقرير، فإن الرؤية الأميركية المقترحة تقوم على إعادة تعريف صلاحيات المحكمة الجنائية الدولية، بحيث يتم تقليص قدرتها على إصدار مذكرات توقيف أو فتح تحقيقات ضد قادة الدول الكبرى غير المنضوية بشكل كامل تحت ولايتها، مع تعزيز مبدأ “التوازن السياسي” في التعامل مع القضايا ذات الطابع السيادي الحساس.
ويشير مراقبون إلى أن هذا الطرح يعكس تحولاً في الرؤية الأميركية تجاه المؤسسات الدولية، حيث تتزايد داخل بعض دوائر القرار في واشنطن قناعة بأن المحكمة الجنائية الدولية أصبحت، في بعض الملفات، أداة ذات تأثير سياسي أكثر من كونها جهة قضائية محايدة، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالنزاعات المسلحة الكبرى.
في المقابل، لم يصدر حتى الآن أي موقف رسمي من الصين بشأن ما ورد في التقرير، بينما تُظهر موسكو، وفق مراقبين، موقفاً ثابتاً يرفض الاعتراف بقرارات المحكمة الجنائية الدولية، ويعتبرها غير ملزمة قانونياً، خصوصاً في القضايا التي تمس القيادة الروسية أو تتعلق بالصراع في أوكرانيا.
ويرى محللون أن أي تقارب محتمل بين واشنطن وبكين وموسكو في هذا الملف، حتى لو كان محدوداً أو غير رسمي، من شأنه أن يثير جدلاً واسعاً داخل المنظومة الدولية، وقد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل قواعد العدالة الدولية، بما ينعكس على عمل المؤسسات القضائية متعددة الأطراف.
كما حذرت تقارير دبلوماسية من أن أي محاولة لتقليص صلاحيات المحكمة الجنائية الدولية قد تؤدي إلى إضعاف آليات المساءلة الدولية، خاصة في ما يتعلق بجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وهو ما قد يفاقم حالة الانقسام داخل المجتمع الدولي.
وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد التوترات بين القوى الكبرى، واحتدام الخلافات حول ملفات متعددة تشمل الأمن الدولي، والانتشار النووي، والنزاعات الإقليمية، ما يجعل أي تحرك لإعادة هيكلة النظام القضائي الدولي محل متابعة دقيقة من العواصم المؤثرة.
ولم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من البيت الأبيض أو الكرملين أو وزارة الخارجية الصينية بشأن ما ورد في تقرير “فاينانشال تايمز”، فيما اكتفت مصادر دبلوماسية بالإشارة إلى أن “الملف لا يزال في إطار النقاشات غير المعلنة”.










