سنغافورة – شهدت أعمال مؤتمر “حوار شانغريلا” للأمن الآسيوي في سنغافورة، الذي يجمع أكثر من 40 دولة، مواجهة دبلوماسية ساخنة بين الصين واليابان، عكست عمق الفجوة الاستراتيجية والمخاوف الأمنية المتبادلة بين القوتين الآسيويتين، في وقت تسعى فيه الدولتان لتوسيع نفوذهما العسكري.
الصين تهاجم “النزعة العسكرية” اليابانية
في جلسة حول “إدارة التهديدات للاستقرار الاستراتيجي”، شن البروفيسور منغ شيانغ تشينغ، رئيس الوفد الصيني، هجوماً لاذعاً على اليابان. واتهم طوكيو بـ “إعادة التسلح” و”تمجيد جرائم الحرب”.
وأشار تشينغ إلى أن التاريخ لا يزال حاضراً بقوة. وأثار منغ مخاوف بكين من سعي اليابان لمراجعة “دستور السلام”، ومناقشة مبادئها الثلاثة غير النووية، محذراً من أن هذه التحركات تزيد من مخاطر الانتشار النووي.
وتساءل تشينغ بحدة: “هل تمتلك دولة لم تستأصل جذور النزعة العسكرية السلطة الأخلاقية لمناقشة التعاون الدفاعي الدولي؟”.
الرد الياباني: دفاع عن السلام وانتقاد للغموض العسكري
لم تتأخر طوكيو في الرد؛ حيث وصف وزير الدفاع الياباني، شينجيرو كويزومي، الهجوم الصيني بـ “محاولة إلقاء اللوم”، معتبراً أنه من الغريب أن تتهم دولة تمتلك ترسانة نووية وقاذفات استراتيجية ضخمة دولة مثل اليابان بـ “العسكرة”.
وفي خطابٍ اتسم بالحزم، أكد كويزومي أن تصرفات اليابان “كـدولة سلام” لن تتأثر بما وصفه بـ “الادعاءات الكاذبة”. وانتقد الوزير الياباني التراكم العسكري الصيني “الغامض” في بحر الصين الجنوبي والشرقي، مؤكداً أنه يولد انعدام الثقة.
كما أبدى أسفه لغياب وزير الدفاع الصيني دونغ جون عن المؤتمر، مؤكداً أن “تزايد الخلافات في الرأي يفرض الحاجة الملحّة للحوار”.
وفيما يخص تصدير الأسلحة، شدد كويزومي على أن ذلك يهدف لتمكين دول المنطقة من الدفاع عن نفسها، وليس لإثارة التوترات.
تباين الموقف الصيني: مهادنة واشنطن وتحدي طوكيو
على الجانب الآخر، لفت المراقبون إلى تحول لافت في الخطاب الصيني تجاه الولايات المتحدة، حيث بدت اللغة أكثر ليونة مقارنة بالعام الماضي.
فبينما أعرب البروفيسور منغ عن أمله في تطور العلاقات العسكرية الصينية الأمريكية في اتجاه “صحي ومستقر”، أكد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أن العلاقات بين البلدين في “أفضل حالاتها منذ سنوات”، واصفاً القمة الأخيرة في بكين بـ “التاريخية”.
رغم هذه “التهدئة” مع واشنطن، ظل الثابت في الخطاب الصيني هو “معارضة الهيمنة”، وهو المبدأ الذي أكده أيضاً الجانب الأمريكي. أما في ملف تايوان، فقد أعاد منغ التأكيد على الموقف الصيني الثابت، مشدداً على أن “قوى استقلال تايوان لا تتوافق مع السلام”.
ويرى خبراء أمنيون أن الصين تتبع استراتيجية ذكية في هذه المرحلة؛ فهي تحاول تحسين علاقاتها مع واشنطن لتقليل الضغوط الدولية، بينما تُركز في الوقت ذاته على إعادة تأكيد مواقفها الأمنية الحازمة تجاه طوكيو وتايوان، مما يجعل من “حوار شانغريلا” مسرحاً لصراع المصالح الذي يُشكل مستقبل النظام الأمني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.










