“ناجون من بيافرا” يوثق واحدة من أكثر الحروب دموية في أفريقيا عبر أرشيف غير مسبوق وشهادات مباشرة من شهود عاشوا المأساة
لندن – المنشر الإخباري
أعاد وثائقي جديد أنتجته هيئة الإذاعة البريطانية BBC فتح ملف الحرب الأهلية النيجيرية، المعروفة تاريخياً باسم “حرب بيافرا”، مقدماً روايات وصوراً ومقاطع مصورة نادرة لم تُعرض من قبل، في محاولة لتوثيق واحدة من أكثر المحطات دموية وتأثيراً في تاريخ أفريقيا الحديث، والتي ما زالت آثارها السياسية والاجتماعية والإنسانية حاضرة في نيجيريا حتى اليوم.
الوثائقي الذي يحمل عنوان “ناجون من بيافرا: أصوات من الحرب الأهلية النيجيرية” لا يقتصر على استعراض الوقائع العسكرية للحرب التي اندلعت بين عامي 1967 و1970، بل يذهب أبعد من ذلك عبر تسليط الضوء على التجارب الإنسانية للناجين والجنود والعائلات التي وجدت نفسها في قلب صراع هدد بتفكيك أكبر دولة أفريقية من حيث عدد السكان.
ويأتي العمل في وقت يتزايد فيه الاهتمام العالمي بإعادة قراءة الأحداث التاريخية الكبرى من منظور إنساني، خاصة تلك التي تركت جروحاً عميقة في ذاكرة الشعوب، وهو ما جعل الوثائقي يحظى باهتمام واسع منذ الإعلان عنه.
مخرج عالمي يكتشف تاريخاً لم يعرفه
يقف خلف الوثائقي المخرج البريطاني النيجيري ميجي ألابي، أحد أبرز الأسماء في صناعة الأفلام والفيديوهات الموسيقية خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتبط اسمه بأعمال عالمية ناجحة مع فنانين كبار مثل بيونسيه وبورنا بوي ودافيدو وستورمزي، كما حصد جائزة غرامي عن مشاركته في إخراج الفيديو الشهير لأغنية “Brown Skin Girl”.
ورغم نجاحه الدولي الكبير، يقول ألابي إن العمل على هذا المشروع شكّل تجربة مختلفة تماماً عن كل ما قدمه سابقاً، لأنه واجهه بتاريخ عائلي ووطني لم يكن يعرف عنه الكثير.
وأوضح أن الحرب الأهلية النيجيرية كانت بالنسبة له حدثاً بعيداً وغامضاً، رغم أنها تُعد من أكثر المحطات تأثيراً في تاريخ بلاده الأصلي، مضيفاً أن البحث في الأرشيف والاستماع إلى شهادات الناجين كشف له تفاصيل لم يكن يتخيل حجمها أو تأثيرها.
وأشار إلى أن الوثائقي لم يكن مجرد مشروع مهني، بل رحلة شخصية لفهم جذوره العائلية والتاريخية، خصوصاً أن جده كان شاهداً مباشراً على تلك الأحداث.
دور العائلة في ولادة المشروع
بدأت فكرة الوثائقي من خلال تعاون ألابي مع عمه ليكي ألابي-إيساما، وهو منتج ومخرج سينمائي وشريك مؤسس لشركة الإنتاج العائلية التي تتخذ من مدينة لاغوس النيجيرية مقراً لها.
وخلال سنوات طويلة، كان أفراد العائلة يستمعون إلى روايات الجد غودوين ألابي-إيساما عن الحرب، لكنه لم يكن يتحدث عنها كثيراً أو بالتفصيل الذي يكشف حجم ما عاشه خلال تلك السنوات المضطربة.
وكان غودوين ضابطاً بارزاً في الجيش النيجيري خلال الحرب، حيث شارك في العمليات العسكرية ضد قوات إقليم بيافرا الانفصالي الذي أعلن استقلاله عن نيجيريا في أواخر ستينيات القرن الماضي.
ومع مرور الوقت، أدرك أفراد العائلة أن هذه الشهادات تمثل جزءاً مهماً من التاريخ الوطني الذي لم يُروَ بشكل كافٍ للأجيال الجديدة، فبدأت رحلة البحث عن الوثائق والصور والمقابلات التي تحولت لاحقاً إلى فيلم وثائقي متكامل.
كيف بدأت حرب بيافرا؟
لفهم أهمية الوثائقي، لا بد من العودة إلى جذور الصراع الذي كاد أن يقسم نيجيريا إلى دولتين.
فبعد سنوات قليلة من استقلال نيجيريا عن بريطانيا عام 1960، بدأت التوترات السياسية والعرقية تتصاعد بين المكونات الرئيسية للبلاد، خاصة بين شعوب الهوسا والفولاني في الشمال، واليوروبا في الغرب، والإيغبو في الجنوب الشرقي.
وشهدت البلاد سلسلة من الانقلابات العسكرية والاضطرابات السياسية التي زادت من حدة الانقسامات، قبل أن تتفاقم الأزمة مع وقوع أعمال عنف واسعة استهدفت أبناء قومية الإيغبو في مناطق مختلفة من نيجيريا.
وأدت هذه التطورات إلى تنامي المطالب الانفصالية داخل الجنوب الشرقي، حيث أعلن العقيد تشوكوويميكا أودوميغوو أوجوكوو في مايو/أيار 1967 قيام جمهورية بيافرا المستقلة.
ورفضت الحكومة النيجيرية هذا الإعلان، معتبرة أنه تهديد لوحدة الدولة، لتندلع حرب أهلية واسعة استمرت نحو ثلاث سنوات.
حرب غيّرت تاريخ أفريقيا
سرعان ما تحولت المواجهة إلى واحدة من أعنف الحروب في القارة الأفريقية خلال القرن العشرين.
فقد استخدمت القوات الحكومية النيجيرية تفوقها العسكري والاقتصادي لمحاصرة إقليم بيافرا وعزله عن العالم الخارجي، بينما حاولت القوات الانفصالية الصمود في مواجهة الجيش النظامي.
وخلال سنوات الحرب، لم تقتصر المأساة على المعارك العسكرية، بل امتدت إلى أزمة إنسانية ضخمة نتيجة الحصار ونقص الغذاء والدواء.
وأصبحت صور الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد رمزاً عالمياً للمجاعة والكوارث الإنسانية، حيث انتشرت تلك الصور في وسائل الإعلام الدولية وأثارت موجة تعاطف واسعة حول العالم.
ويقدّر مؤرخون أن الحرب أسفرت عن مقتل ما بين مليون ومليوني شخص، غالبيتهم من المدنيين الذين قضوا بسبب الجوع والأمراض المرتبطة بالمجاعة.
أرشيف نادر يكشف ما لم يُشاهد من قبل
أحد أبرز عناصر قوة الوثائقي يتمثل في المواد الأرشيفية النادرة التي حصل عليها فريق الإنتاج.
فالفيلم يضم صوراً ومقاطع فيديو التقطها مصورون وصحفيون كانوا موجودين على خطوط المواجهة خلال سنوات الحرب، لكن كثيراً منها لم يُعرض سابقاً للجمهور.
وتُظهر هذه اللقطات مشاهد للحياة اليومية داخل مناطق القتال، وتحركات القوات العسكرية، وأوضاع المدنيين الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين جبهات الحرب.
كما تكشف بعض المقاطع تفاصيل عن الظروف المعيشية القاسية التي عاشها السكان خلال الحصار، بما في ذلك الطوابير الطويلة للحصول على الطعام والدواء، والمستشفيات الميدانية التي كانت تعمل بإمكانات محدودة للغاية.
شهادات الناجين في قلب السرد
لا يعتمد الوثائقي على الوثائق التاريخية وحدها، بل يمنح مساحة واسعة لشهادات أشخاص عاشوا الحرب بشكل مباشر.
ويتحدث ناجون عن فقدان أفراد من عائلاتهم، وعن تجربة النزوح والهروب من مناطق القتال، وعن سنوات الجوع والخوف التي طبعت حياتهم.
كما يستعرض الفيلم روايات جنود سابقين من الجانبين، في محاولة لتقديم صورة أكثر توازناً وتعقيداً عن الصراع.
ويؤكد صناع الوثائقي أن الهدف لم يكن إصدار أحكام سياسية، بل توثيق التجربة الإنسانية بكل ما تحمله من ألم وتعقيدات.
لماذا تعود حرب بيافرا إلى الواجهة الآن؟
رغم مرور أكثر من نصف قرن على انتهاء الحرب، فإن قضية بيافرا لا تزال حاضرة في النقاشات السياسية والاجتماعية داخل نيجيريا.
فما زالت بعض الحركات السياسية في الجنوب الشرقي تستحضر تجربة بيافرا وتطالب بمزيد من الحقوق أو الحكم الذاتي، بينما ترى الحكومة النيجيرية أن الحفاظ على الوحدة الوطنية يمثل أولوية قصوى.
كما أن كثيراً من النيجيريين الشباب لا يعرفون سوى القليل عن الحرب، بسبب محدودية تناولها في المناهج الدراسية أو النقاشات العامة.
ومن هنا تأتي أهمية الوثائقي الذي يسعى إلى تعريف الأجيال الجديدة بفصل محوري من تاريخ بلادهم.
الحرب التي صنعت وعياً إنسانياً عالمياً
يرى مؤرخون أن حرب بيافرا لم تؤثر في نيجيريا وحدها، بل كان لها أثر عالمي أيضاً.
فقد ساهمت صور المجاعة والكارثة الإنسانية في دفع المجتمع الدولي إلى تطوير آليات جديدة للاستجابة للأزمات الإنسانية.
كما كانت الحرب من بين الأحداث التي ساعدت على ظهور منظمات إغاثية وطبية دولية توسعت لاحقاً في مناطق النزاعات حول العالم.
وأصبحت تجربة بيافرا مثالاً يُستشهد به في النقاشات المتعلقة بالقانون الإنساني الدولي وحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.
إعادة قراءة التاريخ
في نهاية المطاف، لا يقدم وثائقي “ناجون من بيافرا” مجرد استعادة لأحداث وقعت قبل عقود، بل يطرح أسئلة أوسع حول الذاكرة والتاريخ والهوية الوطنية.
فمن خلال الجمع بين الأرشيف النادر والشهادات الإنسانية والروايات التاريخية، يحاول العمل فهم كيف يمكن لحرب انتهت منذ أكثر من خمسين عاماً أن تظل حاضرة في وجدان أمة كاملة.
كما يسلط الضوء على أهمية توثيق التجارب الإنسانية قبل أن تضيع مع مرور الزمن ورحيل الشهود، خاصة في القارة الأفريقية التي لا تزال كثير من فصول تاريخها الحديث بحاجة إلى إعادة اكتشاف ورواية.










