في سابقة سياسية نادرة داخل الحزب الجمهوري، وجد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نفسه أمام تمرد من داخل معسكره السياسي، بعدما انضم أربعة نواب جمهوريين إلى الديمقراطيين في مجلس النواب للتصويت لصالح مشروع قرار يهدف إلى تقييد صلاحياته العسكرية في الحرب ضد إيران.
واشنطن- المنشر الإخباري
ورغم أن الأغلبية الجمهورية ما تزال تدعم الرئيس في معظم الملفات، فإن هذا التصويت كشف عن تصدعات متزايدة داخل الحزب بشأن إدارة الحرب والصلاحيات الدستورية للرئيس، كما سلط الضوء على أربعة نواب اختاروا مواجهة البيت الأبيض علناً في واحدة من أكثر القضايا حساسية خلال ولاية ترمب.
وجاء التصويت في وقت تواجه فيه الإدارة الأمريكية ضغوطاً متصاعدة بسبب استمرار العمليات العسكرية ضد إيران منذ أشهر، وسط جدل قانوني بشأن مدى التزام البيت الأبيض بقانون صلاحيات الحرب الذي يلزم الرئيس بالحصول على موافقة الكونغرس عند استمرار أي عمل عسكري لفترة تتجاوز ستين يوماً.
تصويت قلب المشهد السياسي
صوت مجلس النواب الأمريكي بأغلبية 215 صوتاً مقابل 208 لصالح مشروع القرار الذي يطالب الإدارة بإنهاء العمليات العسكرية ضد إيران أو الحصول على تفويض صريح من الكونغرس.
وما منح القرار زخمه السياسي لم يكن فقط تأييد الديمقراطيين له، بل انضمام أربعة نواب جمهوريين إلى المعسكر المؤيد، الأمر الذي اعتبره مراقبون أكبر تحدٍ داخلي يواجهه ترمب في ملف الحرب منذ عودته إلى البيت الأبيض.
ورأت صحيفة نيويورك تايمز أن هذا التصويت يمثل بداية اصطدام نفوذ الرئيس بجدار الكونغرس، ويعكس حالة تململ متزايدة داخل الحزب الجمهوري من سياسة الإدارة تجاه إيران.
توماس ماسي.. المعارض الدائم للحروب
يعد النائب الجمهوري توماس ماسي أبرز وجوه التمرد داخل الحزب.
وعرف ماسي خلال السنوات الماضية بمواقفه الرافضة للتدخلات العسكرية الأمريكية في الخارج، كما أنه من أكثر النواب الجمهوريين تمسكاً بفكرة تقليص صلاحيات السلطة التنفيذية وتعزيز دور الكونغرس في اتخاذ قرارات الحرب.
وقاد ماسي خلال الأشهر الماضية جهوداً تشريعية متعددة لإجبار مجلس النواب على التصويت بشأن استمرار الحرب مع إيران، مؤكداً أن الدستور الأمريكي يمنح الكونغرس سلطة إعلان الحروب وليس الرئيس وحده.
كما لم يتردد في انتقاد الإدارة علناً بسبب استمرار العمليات العسكرية دون تفويض جديد، وهو موقف وضعه في مواجهة مباشرة مع البيت الأبيض.
وكانت مواقفه مكلفة سياسياً، إذ خسر مؤخراً الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري في ولايته أمام مرشح مدعوم من الرئيس ترمب، إلا أن ذلك لم يدفعه إلى التراجع عن مواقفه.
وارن ديفيدسون.. حليف الإدارة الذي انقلب عليها
النائب الجمهوري وارن ديفيدسون يعد من أبرز المدافعين عن دور الكونغرس في قضايا الأمن القومي والحرب.
ورغم أنه صوت في معظم الملفات إلى جانب إدارة ترمب، فإنه أبدى تحفظات متكررة على توسيع صلاحيات الرئيس العسكرية.
وكان ديفيدسون أول نائب جمهوري يخرج عن موقف الحزب في ملف الحرب مع إيران خلال مارس/آذار الماضي، قبل أن يتعرض لضغوط سياسية مكثفة دفعته إلى التراجع مؤقتاً في بعض التصويتات اللاحقة.
لكن مع استمرار الجدل حول الحرب عاد ديفيدسون إلى موقفه الأصلي، وصوت هذه المرة إلى جانب الديمقراطيين.
وبرر قراره بالقول إن أي عمل عسكري يجب أن يكون له هدف واضح ومهمة محددة وموافقة تشريعية صريحة، مضيفاً أن “تحديد المهمة ثم التصويت عليها ثم تنفيذها” هو الطريق الصحيح الذي يجب أن تسير عليه الولايات المتحدة.
توم باريت.. المحارب الذي يخشى تكرار أخطاء العراق
يختلف النائب الجمهوري توم باريت عن زملائه الثلاثة في أنه لا يعارض استخدام القوة العسكرية من حيث المبدأ.
فالرجل خدم سابقاً في القوات الأمريكية وشارك في عمليات عسكرية بالعراق والكويت، ما يمنحه خبرة مباشرة في تداعيات الحروب الطويلة.
لكن باريت يرى أن استمرار العمليات العسكرية دون أهداف واضحة أو جدول زمني محدد قد يدفع الولايات المتحدة إلى تكرار أخطاء الماضي.
وخلال الأشهر الماضية بدأ يبتعد تدريجياً عن موقف الإدارة، قبل أن يقدم مشروعاً تشريعياً يدعو إلى وضع سقف زمني للحرب ومنع نشر قوات برية أمريكية بشكل واسع داخل إيران.
وأكد باريت أن الكونغرس يجب أن يكون شريكاً أساسياً في تحديد نطاق أي عملية عسكرية، مشيراً إلى أن ترك القرار بالكامل بيد السلطة التنفيذية قد يقود إلى صراعات مفتوحة يصعب إنهاؤها.
برايان فيتزباتريك.. رجل الأمن الذي استند إلى القانون
أما النائب الجمهوري برايان فيتزباتريك، فيعد من أكثر الشخصيات اعتدالاً داخل الحزب الجمهوري.
ويحمل فيتزباتريك خلفية أمنية باعتباره عميلاً سابقاً في مكتب التحقيقات الفيدرالي “إف بي آي”، واشتهر بمواقفه المستقلة في ملفات السياسة الخارجية والأمن القومي.
وفي البداية وقف إلى جانب قيادة الحزب الجمهوري ضد مشاريع تقييد صلاحيات الرئيس، لكنه غير موقفه لاحقاً بعدما رأى أن الإدارة تجاوزت المهلة القانونية المحددة في قانون صلاحيات الحرب.
واستند فيتزباتريك إلى نصوص القانون الذي صدر عام 1973 بعد حرب فيتنام، والذي يلزم الرئيس بالحصول على موافقة الكونغرس إذا استمرت العمليات العسكرية لأكثر من ستين يوماً.
واعتبر أن استمرار الحرب ضد إيران دون تصويت جديد من الكونغرس يمثل إشكالية قانونية ودستورية لا يمكن تجاهلها.
لماذا أثار تصويتهم كل هذا الجدل؟
تكمن أهمية النواب الأربعة في أنهم لا يمثلون تياراً واحداً داخل الحزب الجمهوري.
فبينهم المحافظ الليبرتاري، والمحارب السابق، والمعتدل، والمدافع التقليدي عن صلاحيات الكونغرس.
وهذا التنوع دفع محللين أمريكيين إلى اعتبار التصويت مؤشراً على أن الاعتراض على إدارة الحرب لم يعد محصوراً في جناح معين داخل الحزب، بل أصبح يمتد إلى شرائح متعددة من الجمهوريين.
كما أن انضمامهم إلى الديمقراطيين منح القرار زخماً سياسياً كبيراً وأحرج البيت الأبيض أمام الرأي العام.
غضب ترمب وهجوم على المعارضين
الرئيس الأمريكي لم يتأخر في الرد على النواب الأربعة، إذ وصف تصويتهم بأنه خطوة “غير وطنية”، واتهمهم بالسعي إلى جذب الانتباه السياسي والإعلامي.
وقال إن القرار يضر بالمفاوضات الجارية مع إيران ويبعث برسائل ضعف إلى الخصوم، مؤكداً أن الديمقراطيين وبعض الجمهوريين يفضلون عرقلة نجاحاته السياسية بدلاً من دعم المصالح الأمريكية.
لكن منتقدي الإدارة يرون أن القضية لا تتعلق بالمواقف الحزبية بقدر ما تتعلق بالدستور الأمريكي وتوازن السلطات بين البيت الأبيض والكونغرس.
بداية انشقاق أكبر؟
ورغم أن أربعة أصوات فقط هي التي انشقت عن الموقف الجمهوري الرسمي، فإن كثيراً من المراقبين يعتبرون ما حدث مؤشراً على تحولات أعمق داخل الحزب الجمهوري.
فالحرب مع إيران، وملفات الإنفاق الحكومي، والتعيينات المثيرة للجدل داخل الإدارة، بدأت تدفع عدداً متزايداً من الجمهوريين إلى التعبير عن مواقف أكثر استقلالية تجاه الرئيس.
وبينما لا يزال ترمب الشخصية الأقوى داخل الحزب الجمهوري، فإن تصويت النواب الأربعة أظهر أن هيمنته المطلقة لم تعد كما كانت، وأن معارك الأشهر المقبلة قد تشهد مزيداً من المواجهات بين البيت الأبيض وبعض أعضاء حزبه حول مستقبل الحرب وصلاحيات الرئيس وحدود السلطة التنفيذية.










